“تازة قبل غزة” وضيق الأفق الوطني والإنساني

هدى سحلي
هدى سحلي
كنت أستعد للنوم، حتى باغتني شعار”تازة قبل غزة” ليقض مضجعي، رغم أنني لم أكن أوليه أي اهتمام خارج التهكم الذي يفيد أنه شعار لا يستحق الاهتمام.

ثم في جزء من الثانية انتقلت بي الذاكرة إلى ندوة كان قد نظمها تيار اليسار المواطن لحزب الاشتراكي الموحد، قبل نحو اثني عشر عاما حول قضية الصحراء بمقر نادي المحامين بالرباط، حينها عبرت عن رأي في إحدى جزئياته قلت ما معناه : “أنا بنت البرنوصي، لا أعرف الصحراء، ولا أجدني أهتم كثيرا بها. أهتم أكثر بالجغرافيا الضيقة التي أنتمي إليها، الدار البيضاء وفي قلبها حي سيدي البرنوصي اذا صادف وخرجت منو كنجي للرباط”.

تذكرت هذا القول، ووجدتني أطرح السؤال إلى أي مدى يمكن أن يُختزل الوعي الوطني في انتماء محلي ضيق؟ وهل هذا التمركز حول “الذات الجغرافية” يُنتج مواطنا ناقدا ومنخرطا، أم يُعيد إنتاج مواطن لا مبالٍ بقضاياه الوطنية والكونية، باسم الواقعية والانتماء القريب؟

في خضم هذا التفكير، يُمكن قراءة شعار “تازة قبل غزة” كشعار احتجاجي يماثل “البرنوصي قبل الصحراء” ، لكنه في جوهره يعكس إشكالية فكرية وأخلاقية تتجاوز مجرد ترتيب الأولويات.

الانطلاق من الانتماء المحلي لا يُشكل في ذاته عيبا، بالعكس، فكل وعي يبدأ من الأرض التي يُولد فيها، من الحي، من الشارع، ومن الألم الملموس الذي يعيشه، لكن الإشكال ينشأ حين يُغلق هذا الوعي أبوابه أمام الأفق الوطني أو الإنساني، فيتحول من “المواطنة المقعّدة ثم المنفتحة” إلى “مواطنة ضيقة وحدودية”، تُعلي من شأن المدينة أو القرية التي ننتمي إليها على حساب الانتماء إلى الوطن أو العالم، (وقد بدأت تتناسل الشعارات المضادة والتهكمية مثل العيون قبل السبلبون؛ بجعد قبل الهند؛…)

فشعار مثل “تازة قبل غزة” لا يُعيد ترتيب الأولويات بقدر ما يختزلها، فيُنتج ثقافة مفادها: “لن أتعاطف إلا مع من يشبهني جغرافيًا وأتقاسم معه الفضاء” وهذا يتعارض مع روح المواطنة الديمقراطية.

هذا النوع من الخطاب والشعار (ولو أن غاياته في السياق الحالي لا تعدو أن تكون مجرد بروباغندا وتحريف للنقاش) يغرق في المحلية الشوفينية ، لأنه يُسهل تبني مواقف غير مكلفة أخلاقيًا: يكفي أن أصرخ بأن “تازة مهمّشة”، حتى أتهرب من أي التزام تجاه غزة أو الصحراء أو الهجرة أو حقوق الإنسان عالميًا. وكأن منطق “العدل يبدأ من الداخل” يجب أن يعني “العدل ينتهي في الداخل”.

وأفكر ان الخطير في هذا الخطاب على المدى المتوسط والبعيد، أنه لا يُنتج فعلًا سياسيًا تغييريًا، شعار أجوف بدون آثار تنموية ، لكنه قد يُنتج التذمر الدائم ويؤسس لمواطنة قائمة على “الأنانية الجغرافية”، التي تُفضي في نهاية المطاف إلى التفكك الوطني، وربما حتى الجهوي، بحيث يصبح شعار الغد: “البرنوصي قبل الصحراء”، و”الريف قبل سوس”، وهكذا…

القضية ليست غزة أو تازة، بل في أي مواطن نريد أن نبنيه: مواطن يرى في همّ الآخر صورة من همّه، وله وعي يرى في التضامن مع غزة، أو مع نضالات شعوب إفريقيا أو نضالات المرأة، أو التضامن مع “شارلي إيبدو” ونبد العنف والارهاب والسعي للعدالة الاجتماعية لكل الشعوب وووو…. تعبيرا عن إنسانيتنا.

أم مواطن يُغلق بابه على ذاته، فيكون ضحية لمن يهمّشه محليا ويستغله عالميًا؟ ولنا في الجوار أمثلة عديدة.