بقلم: محمد التكانتي
زيارتي الأخيرة إلى مكناس لم تكن كسابقاتها. لم أكن فقط سائحًا يعبر الأزقة القديمة أو يلتقط صورًا أمام باب المنصور أو ساحة الهديم، بل كنت شاهدًا على مفارقة صارخة بين زمنين: زمن كانت فيه المدينة تبنى بالجمال، وزمن تُبنى فيه المدن لتُنسى.
وقفت طويلًا أمام روعة التفاصيل: الزليج المتناغم، الأقواس الموردة، الخشب المنقوش، وسحر الهندسة التي تحكي قصة حضارة ضاربة في عمق التاريخ. كل حجر في مكناس يشهد على زمن كان فيه المعمار فعل حبّ، وبيان هوية، ومجالًا لتجلي الروح الفنية المغربية.

لكن ما إن ابتعدت قليلًا عن المدينة العتيقة، حتى اصطدمتُ بواقع آخر: عمارات متشابهة، إسمنت صامت، واجهات بلا ملامح. كأن الجمال قد أُقصي، وكأن المعمار لم يعد يعني أكثر من جدران تؤوي أجسادًا، لا أرواحًا.
هنا تبرز الأسئلة الحارقة: لماذا غابت اللمسة الفنية عن البناء المعاصر؟ هل تحوّل المعمار إلى مجرد ورش للإسراع والمردودية؟ هل المقاولة، بمنطقها الربحي، قتلت ذلك التواطؤ الجميل بين الفن والوظيفة؟ وأين دور الدولة في حماية الذوق العام والهوية البصرية للمدن؟
في مكناس، كما في فاس والرباط وتطوان، ترك لنا الأجداد تراثًا معماريًا يمزج بين البساطة والدهشة، بين التقاليد والابتكار. لم يكن ذلك الإرث وليد صدفة، بل ثمرة وعي جمالي عميق، ورؤية للمدينة باعتبارها كائنًا حيًّا، يتنفس الفن ويُخلّد التاريخ.

أما اليوم، فنحن في حاجة ماسّة إلى إعادة طرح السؤال الجوهري: ما معنى أن نبني مدينة؟ هل يكفي أن نوفر مساكن، أم أن علينا أيضًا أن نصوغ فضاءات تُلهِم، تُحبّ، وتُعاش؟
المقاولة ليست عدوة الجمال، لكنها في حاجة إلى ضمير معماري، ورؤية فنية، وشراكة حقيقية مع الثقافة. والدولة، وهي تفتح الأوراش الكبرى، مطالَبة بألّا تُقصي البُعد الجمالي والهوياتي، لأنه جوهر المعمار، لا زينته.
من مكناس، بدأتُ أسأل، وأتمنى أن تتسع دائرة السؤال ليشمل كل مدينة مغربية تُشيَّد اليوم. لأن ما نبنيه اليوم، سيكون مرآتنا غدا .

