أبو علي بلمزيان يكتب..القبضة المرتبكة: اغتيالات إسرائيلية وارتباك محور الوهم.

أبو علي بلمزيان

ما يجري على أرض إيران من اختراقات أمنية واغتيالات نوعية لأعلى مستويات القيادة العسكرية والعلمية ليس سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل طويل عنوانه العجز البنيوي لأنظمة تتغنى بالقوة وتعيش على الفقاعة الإعلامية. اغتيال قائد أركان الجيش ونائبه، وقائد الحرس الثوري، وتفجير مواقع نووية كبرى مثل نطنز، واغتيال علماء في عمق الأراضي الإيرانية، كل ذلك يتم أمام صمت دولي مطبق، وسكوت رسمي محلي يُصر على أن “الوضع غير مقلق”، وكأن الأمر لا يتعلق بتفكيك مفاصل المؤسسة العسكرية بعملية جراحية دقيقة تنفذها تل أبيب بتواطؤ إقليمي واضح وصمت عالمي مدروس.

عندما تعلن الدولة التي اخترقتها مئات الطائرات أن أمنها غير مهدد، فذلك لا يشي سوى بحالة إنكار مرضية تعكس فشل مشروع لا يملك من القوة سوى شعارات جوفاء. الرد بـ”مسيرات رمزية” على اغتيال قادة الصف الأول لا يمكن أن يُفهم إلا باعتباره نوعاً من حفظ ماء الوجه، لا يعوّل عليه أحد، ولا يرتعد منه خصم. إنه أداء مضطرب لا يرقى إلى مستوى الحدث، ويكشف أن الرعب انتقل من غزة إلى طهران، بينما كانت الرواية الرسمية توهم الجميع بأن العاصمة الإيرانية هي مصدر الرعب والهيبة.

أما حين تكون أول دولة تدين هذا التصعيد وتطالب بتدخل المجتمع الدولي هي دولة كانت حتى الأمس القريب تخوض حرباً سياسية على إيران وتبني علاقات غير معلنة مع الكيان الصهيوني، فإننا أمام مشهد من العبث الدبلوماسي والتواطؤ المكشوف. الإدانات الشكلية لم تعد تعني شيئاً، والعالم يعلم أن هناك توافقاً ضمنياً بين عواصم إقليمية ودوائر استخباراتية دولية على محاصرة المشروع الإيراني، لا لأنه مقاوم، بل لأنه بات عبئاً على من راهنوا عليه كقوة ممانعة، فإذا به ينكشف كقوة اختراق قابلة للتفكيك.

في عمق التحليل الاستراتيجي، يتضح أن الضربات التي تتلقاها إيران ليست رسائل بل بنية تدمير ممنهجة لهيبتها الرمزية وقدرتها الردعية. لقد اجتاز الكيان الصهيوني مرحلة “الضربات الوقائية” إلى مرحلة “الهدم التدريجي للبنية القيادية”، حيث تصبح كل شخصية ذات موقع قيادي هدفاً مشروعاً. والنتيجة: تفكيك منظومة القيادة قبل اندلاع أي حرب شاملة. بهذا المعنى، يتم تحييد الخصم دون صدام مباشر، ويتم التحكم في قواعد الاشتباك من خارج الحدود، بواسطة تكنولوجيا التجسس وأدوات الاختراق السيبراني والتنسيق الإقليمي القذر.

كل هذا يجري في ظل نظام دولي مفكك، تسوده شريعة الغاب. الاعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة، وقتل قادتها على أرضها، وتدمير بنياتها النووية السلمية، يتم أمام أنظار القوى الكبرى التي اختارت الحياد الكاذب، أو قدمت الغطاء بصمتها المريب. القانون الدولي، في هذا السياق، لا يُحتضر فقط، بل يُدفن يومياً في صحراء التواطؤ العالمي. أما السيادة، فتتحول إلى مادة إعلامية يتم التلاعب بها حسب ميزان القوة لا حسب مبدأ العدالة.

والأخطر من كل ذلك، أن ما كان يُعرف بمحور المقاومة، قد تبين أنه قائم على الوهم أكثر مما هو قائم على الفعل. سوريا غارقة في المستنقع، ولبنان محكوم من الداخل والخارج، واليمن مستنزف، والعراق مشلول، وإيران منهكة. في المقابل، أظهرت المقاومة الفلسطينية، بكل حصارها ونزيفها، قدرة على المبادرة ومرونة تكتيكية تعري كل الحلفاء الذين لا يحضرون إلا في بيانات الدعم. الفلسطينيون، من قلب الموت، أثبتوا أنهم أكثر فاعلية من حلفائهم الذين بنوا مجدهم على أكتافهم، وسحبوا أرصدتهم الرمزية من دماء أطفال غزة.

إن تداعيات هذا التصعيد الإسرائيلي لن تكون محصورة في طهران. إنه إعلان مفتوح بأن لا أحد في مأمن، وأن ميزان القوة لم يعد يُحسب بالقدرات، بل بالجرأة على الفعل وعدم الخوف من العواقب. وإن لم تتحرك القوى الحية في المنطقة لصياغة مشروع حقيقي للتحرر من الهيمنة – سواء أكانت إسرائيلية أو إقليمية أو دولية – فإن القادم أسوأ. لأن المسيرات لا تهزم الطائرات، والخطب لا تعوض الدم، والشعارات لا تبني ردعاً.

كخلاصة، لا بد من التخلص من أوهام القوة القائمة على توازنات هشة، وعلى تحالفات مبنية على المصالح الظرفية لا على مشروع تحرري حقيقي. لقد سقط القناع، وتبين أن الأمن لا يُصنع بالجعجعة، بل بالبوصلة السياسية الدقيقة، والتخطيط الاستراتيجي الرصين، والارتباط العضوي بقضايا الشعوب لا بأنظمة مخترقة. المنطقة كلها على صفيح ساخن، ومن لم يتحرك وفق منطق التغيير الجذري، فسيفقد كل شيء دفعة واحدة.

•⁠ ⁠الحسيمة في 13 يونيو 2025.
•⁠ ⁠أبوعلي بلمزيان.