زياد الرحباني: صوت الضمير الحيّ بين الفن والسياسة والإنسان

زياد الرحباني

بقلم: سلوى بنعمر

في زمنٍ تكلّست فيه المواقف، وصارت الكلمات تُصاغ على ميزان الرضى العام، خرج زياد الرحباني من صمت البيت الرحباني حاملاً صوته الخاص، وموقفه، ومرارته، وضحكته الجارحة. لم يكن مجرد فنان نشأ في بيت أسطوري، ولا مجرد وريث لمجدٍ فنّي مجبول بصوت فيروز. كان شيئًا آخر، أكثر قسوة، أكثر هشاشة، وأكثر التزامًا بالحقيقة من أي مجد.

ابن فيروز وعاصي… وابن الشعب

وُلد زياد في العام 1956، لا كطفل عادي، بل كجزء من ذاكرة فنية وحلم شعبي. تربّى في بيتٍ فيه تُنسج الموسيقى مثل القصائد، وتنمو الأحلام كما تنمو الأشجار في جبل لبناني. لكن زياد لم يكتفِ بأن يكون ابن الأسطورة، بل قرر أن يكون ابن الواقع أيضًا، بكل تناقضاته.
رأى العالم بعيني من يعرف أن الحب وحده لا يكفي، وأن خلف الصورة الرحبانية البهية، هناك شعب يتألم في الأزقة وتحت القصف. قرر أن ينقل هذا الألم إلى المسرح، إلى اللحن، إلى النكتة، وإلى الموقف.

“أنا هون… ومش رح كون ظلّ حدا”

في السابعة عشرة، لحّن “سألوني الناس” لفيروز، يوم مرض عاصي الرحباني، في لحظة اختلط فيها الفن بالحزن، والطفل بالمسؤولية. لكن تلك كانت فقط البداية.
من “سهرية” إلى “بالنسبة لبكرا شو؟” و”نزل السرور”، كتب زياد مسرحه بلغة الناس، لا بلغة الصالونات. كان يضع الحقيقة على الخشبة كما هي: بشتائمها، وسخريتها، وجنونها. لا لتُضحكك فقط، بل لتُشعرك بالذنب… ولتجعلك تفكر.

السياسة ليست زينة… إنها حياة

كان زياد يساريًا قبل أن يكون ذلك موضة أو شعارًا. آمن بالفقراء، بالحزب الشيوعي، بالمقاومة، وعاش بينهم، لا فوقهم. لم يكن حياديًا، ولم يكن مريحًا. كان واضحًا. مزعجًا أحيانًا. حقيقيًا دائمًا.
رفض النفاق السياسي، وانتقد الطائفية، ودفع ثمن انحيازه بشعبيته، أحيانًا. لكنه لم يتراجع. كان يعرف أن الفن، حين يصبح بلا موقف، يتحول إلى خلفية موسيقية للخراب.

المسرح، الموسيقى، والناس… الثلاثية التي أحب

زياد لم يغنِّ كي يُطربك، بل كي يوقظك. لم يكتب كي يبيع، بل كي يقول. لم يمثل كي يتسلّى، بل كي يُقاتل. كل شيء عنده كان وسيلة لفهم العالم، أو على الأقل للبقاء فيه.
في أغانيه، كل بيتٍ كان موقفًا. في مسرحياته، كل شخصية كانت مرآة. وفي حياته، كل لحظة كانت مقاومة. سخر من كل شيء، حتى من نفسه. لكنه لم يسخر من الناس، بل من الظلم الذي يطحنهم.

زياد الرحباني… الوداع الأخير

اليوم، سكت قلب زياد . خسر المسرح أحد أكثر مبدعيه جرأة. وخسر الوطن صوتًا كان يرى فيه ما لا يريد أحد أن يراه.
لكن زياد، كما نعرفه، لا يموت. من “أنا مش كافر” إلى “فيلم أميركي طويل”، ومن تسجيلاته الساخرة إلى نغمات بيانو لا تزال تطوف في الذاكرة، سيظل حاضرًا. حاضرًا كضمير يقظ، كمرآة مزعجة، كحبّ لم يطلب يومًا أن يُفهم، بل فقط أن يُحترم.
وداعًا يا زياد… لم تكن فنانًا فقط، كنت ضميرنا حين اختنقنا، وصوتنا حين خفنا، ونكتتنا حين بكينا.