التنين النووي بين واشنطن وموسكو: لعبة الجنون في نظام عالمي يحتضر

أبو علي بلمزيان

في زمن بلغ فيه النظام العالمي حافة الانهيار، يبدو أن الإمبريالية الأمريكية، بقيادة ترامب، تستعيد أسوأ أدواتها القديمة: التهديد، الابتزاز النووي، وتأجيج الحروب بالوكالة. فبعد مسرحية الإنذارات المتكررة التي يتقنها سيد البيت الأبيض، والمتجلية في فرض مهلة تنتهي يوم 2 شتنبر لإرغام موسكو على وقف إطلاق النار في أوكرانيا، جاء رد موسكو صادماً ومشحوناً بالاستعلاء، حين أعلن دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن القومي والرئيس السابق لروسيا، أن بلاده “ليست إيران أو إسرائيل”، بل دولة نووية كبرى منذ عهد الاتحاد السوفياتي. بهذا التصريح، لم يكن ميدفيديف يرد فقط على الغطرسة الأمريكية، بل وجه ضربة رمزية لحلفاء موسكو المفترضين، وهو ما لا يمكن أن يمر مرور الكرام في طهران، عاصمة الصراع الإقليمي المحتدم.

ما تفوه به ميدفيديف ليس مجرد زلة لسان دبلوماسي، بل انعكاس لنظرة روسيا النفعية والبراغماتية تجاه حلفائها، حين يُستعملون كأوراق ضغط لا أكثر. أن تُقارَن إيران، الدولة التي صمدت في وجه آلة القمع الأمريكية الصهيونية لأزيد من أربعة عقود، بـ”لا شيء” في خطاب رجل دولة روسي، هو ليس فقط استخفافاً بمكانتها الجيوسياسية، بل كشف فجّ عن الوجه الحقيقي للتحالفات المصلحية التي تُبنى على رمال المصالح المؤقتة. الخطورة في كلام ميدفيديف لا تكمن فقط في غطرسته، بل في الرسائل الخفية الموجهة لحلفاء روسيا جميعاً، من طهران إلى دمشق مروراً بكاراكاس: أن موسكو، في اللحظة الحرجة، لن تتردد في خيانة شركائها إذا اقتضت اللعبة الدولية ذلك.

ترامب، الذي لطالما اتُّهم بالتقلب وازدواجية الخطاب، كشف مرة أخرى عن وجهه الحقيقي: رئيس قادم من عمق العقل الإمبريالي الأمريكي، الذي لا يرى في العالم سوى مسرح لحروبه واستعراضاته القتالية. أمره بنشر غواصتين نوويتين قرب روسيا، وتقليصه مهلة الإنذار من خمسين يوماً إلى عشرة فقط، ليس سوى تصعيد استفزازي يكشف عن منطق العنف الهيكلي الذي يحكم السياسة الخارجية الأمريكية. هذه الخطوة لا تنم فقط عن تهور سياسي، بل عن تهديد صريح بسيادة دولة نووية أخرى، وإشعال فتيل حرب كونية محتملة. فهل كان رد روسيا سيكون “إعلامياً” فقط، لو نشرت موسكو بدورها غواصات نووية قبالة شواطئ نيويورك أو سان فرانسيسكو؟ الإجابة معروفة مسبقاً: واشنطن ستعتبرها إعلان حرب، وستهبّ كما فعلت في كوبا الستينات لتفجير العالم.

أوروبا، في قلب هذا الصراع، تحولت إلى مجرد رهينة في يد ترامب. هذا الأخير يسعى لإقناع الأوروبيين أن بقاءهم السياسي والاقتصادي رهين بالحماية الأمريكية، وأن التهديد الروسي يجب أن يُموَّل بمال أوروبا ودمها. إنها إعادة إنتاج لنفس لعبة “البلطجة الاستراتيجية” التي جعلت من القارة العجوز سوقاً ساذجة للأسلحة، ودرعاً بشرية في وجه أي صراع قادم. فإذا كانت أمريكا قد عجزت عن ضبط تضخمها وكبح عجزها التجاري، فإن البديل بالنسبة لها هو تغذية التوترات العسكرية لابتزاز الحلفاء وجعلهم يدفعون فاتورة الإمبراطورية المتآكلة.

الخطاب الأمريكي الذي يصور روسيا كوحش نووي، ويحذر من ابتلاعها لأوروبا، ليس سوى حكاية من خرافات الحرب الباردة. إنها قصة تُروى لتخدير الجماهير وشحنهم بفوبيا العدو الخارجي، بينما تُدار المعارك الحقيقية في كواليس البورصات والبنوك العابرة للقارات. والأنكى أن هذا التصعيد يأتي في وقتٍ كان فيه ترامب، نفسه، يعد في حملته الانتخابية بإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في ظرف 24 ساعة! من هذا الذي غدر؟ هل تراجع بوتين فعلاً عن سوريا مقابل أوكرانيا؟ أم أن الانسحاب الروسي كان جزءاً من صفقة أكبر لحماية الكيان الصهيوني من زلزال استراتيجي وشيك؟ الأسئلة تُطرح، والإجابات تهرب في زحام المناورات الجيوسياسية.

نحن أمام مشهد دولي متفجر، تقوده زعامات مأزومة لا تملك سوى السلاح لغة تفاوض. خطاب ميدفيديف المستخف بإيران، رغم كونها الحليف الاستراتيجي الأهم لموسكو، يكشف عن عمق العطب البنيوي في التحالفات المضادة للإمبريالية. أما ترامب، فليس مجرد مهرج سياسي أو “قنبلة صوتية” كما يحلو للبعض أن يصفه، بل هو تجلٍّ فاضح لإرادة إمبراطورية تستشعر الأفول، وتحاول عبر الجنون النووي أن تعيد عقارب التاريخ إلى الوراء.

العالم لم يعد يحتمل مثل هذه السياسات. فبين روسيا التي تمزقها حرب استنزاف في أوكرانيا، وأمريكا التي تنهار تحت وطأة ديونها وعزلتها الأخلاقية، تبرز الصين وقوى الجنوب كأمل لإعادة توازن القوى، لكن ترامب يعرف أن أي تنازل من روسيا في هذا التوقيت يعني نهاية أسطورة “تعدد الأقطاب”. ولأجل ذلك، لن يتردد في دفع العالم إلى حافة الجنون، لأن الحرب النووية بالنسبة له ليست إلا خياراً تكتيكياً ضمن لعبة الهيمنة.

لكن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم، وحرباً نووية لن تُبقي لأحد منصة ليروي فيها روايته الكاذبة.

الحسيمة في 02 غشت 2025
ابو علي بلمزيان