منذ السابع من أكتوبر 2023، لا تزال غزة تكتب فصلها الأكثر وجعا وملحمة في آن واحد، عامان من القصف والحصار، من النار التي لم تطفأ ومن الأصوات التي لم تخفت، على امتداد هذا الزمن، ودع الفلسطينيون خيرة قادتهم، صحفييهم رياضييهم ومثقفيهم، بعدما تحولوا إلى رموز خالدة في ذاكرة المقاومة والصمود.
في مقدمة من رحلوا، برزت أسماء حملت مشروعا دولة بأكمله، إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والوجه الأكثر شهرة للحركة، اغتيل في طهران صيف 2024، بعده صالح العاروري، رجل الظل والعقل التنظيمي للحركة، الذي سقط في بيروت. يحيى السنوار ومحمد الضيف وأيمن نوفل، وجوه عسكرية قادت المعركة من الأنفاق إلى الساحات، وودّعت الحياة وهي على خط النار. حتى جميلة الشنطي، أول امرأة في المكتب السياسي لحماس، رحلت تحت ركام بيتها وهي تحمل حلم الدولة.
وفي الميدان الإعلامي، لم تصنف الكاميرا كأداة نقل للحدث، بل سلاح مقاومة. الصحفيون الفلسطينيون كتبوا الحقيقة بدمهم، من وائل الدحدوح الذي فقد أسرته ثم زملاءه واحدا تلو الآخر، إلى المصور سامر أبو دقة، إلى حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا، إلى إسماعيل الغول وأنس الشريف الذين صار وجههما مرادفا للشجاعة والصدق. ففي كل لقطة دمعة، وفي كل تقرير وداعٌ جديد، الى جانب اسماء اخرى تحولت الى ارقام قاربت 252
أما الرياضة، فكانت ملعبا آخر للمأساة. رحل اللاعبون الذين حملوا علم فلسطين على صدورهم لا في الملاعب فحسب، بل في لحظات الرحيل الأخيرة. سليمان العبيد ، أسطورة الكرة الغزية، سقط برصاص الاحتلال، ورشيد دبور نجم المنتخب، ودّع بيته قبل أن يُقصف. فالملاعب التي كانت تصدح بالهتاف، صارت اليوم خياما وملاجئ للنازحين.
وفي غزة كذلك يقصف الفنان وتهمته الإبداع بعدما رحلت رحلت إيناس السقا، الممثلة وكاتبة مسرح الأطفال، إلى جانب الأطفال الذين كانت تعلمهم فيما غادر في صمت الأكاديمي والكاتب الفلسطيني عمر حرب بعد معاناة طويلة بسبب المرض ونقص الرعاية الطبية.
عامان من “طوفان الأقصى” ولم تخمد الأرواح التي حملت غزة في صوتها وصورتها وسلاحها. وجوه رحلت، لكنها تركت في الذاكرة بصمة أبدية تقول: إن الموت في فلسطين ليس نهاية، بل استمرار لحكايةٍ لا تنتهي.

