مصطفى براهمة.. مناضل لم يحد عن بوصلة الكرامة 

ترجل قلب مصطفى براهمة عن النبض، بعد عمر قضى معظمه في دروب النضال والتضحية، والدفاع المستميت عن حياة كريمة لكل المغاربة.

رحل أمس الاثنين، المناضل اليساري، بعد صراع مرير مع المرض، لكن صدى نضاله وتضحياته ستبقى تنبض في ذاكرة رفاقه وكل من عرفه عن قرب، بل حتى الذين تابعوا تحركاته من بعيد سيحتفظون للرجل بمحطات الوفاء.

منذ الوهلة الأولى لإعلان الوفاة من قبل رفاقه وأصدقائه المقربين، تداولت الأيدي على مواقع التواصل الاجتماعي، صور الرفيق. في هذه يرفع شارة النصر، وفي تلك يعانق رفاقه بحرارة، وفي اخرى يرفع رأسه عاليا رفضا لظلم واقع ودفاعا عن كرامة وطن و مواطن.

تلك الصور اختزلت كل شيء، و كثفت قصة براهمة المناضل، الذي لم يكن نضاله وليد الصدفة، بل هو نابع من واقع مرير فتح عينه عليه في مسقط رأسه بضواحي برشيد.

وعيه السياسي المبكر، أهله ليكون عنصرا فاعلا في الحركة التلاميذية، التي شكلت الأرضية الصلبة لبناء مساره في اليسار المغربي، التقى هناك بأفكار الماركسية اللينينية، ليتوج ذلك بالانضمام إلى منظمة “إلى الأمام”.

كما عدد من رفاقه وفي عز مواجهة الدولة للفكر اليساري الماركسي، نال براهمة قسطا وفيرا من السجن وتبعاته من المعاملة القاسية، حيث اعتقل أول مرة في عام 1975 قبل أن يطلق سراحه ضمن المجموعة المعروفة بمجموعة 105.

ورغم كل ما قاساه في السجن، ظلت شعلة النضال متقدة في صدره، ليستمر معها الصراع مع الدولة، وتفضي هذه المواجهة إلى اعتقال ثان لبراهمة في أكتوبر 1985، حيث حوكم بعشرين عاما سجنا نافذا.

قضى منها 9 سنوات، قبل أن يغادر السجن بمعية عدد من رفاقه بموجب عفو ملكي صدر في العام 1994.

شارك البراهمة في إعادة بناء اليسار المغربي، وأسهم في تأسيس حزب النهج الديمقراطي، الذي أصبح منصة لنضاله السياسي والفكري، للدفاع عن قيم العدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان، وحرية الرأي، مع المحافظة على قراءة مغربية مستقلة للفكر الماركسي.

و جمع براهمة بين الالتزام الفكري والنشاط العملي، فعمل مهندسا في الأشغال العمومية وعين مرتين بظهير مفتشا جهويا للتعمير في كل من جهتي الدار البيضاء وسوس ماسة، مع الحفاظ على نشاطه السياسي المكثف، حيث شغل منصب الأمين العام لحزب النهج الديمقراطي لولايتين متتاليتين (2012 – 2022)، وظل ملتزما بمبادئه حتى في مواجهة المرض الذي أدى في النهاية إلى ابتعاده عن المشهد السياسي المباشر.

وكان من المؤسسين لنقابة السكنى، تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكان عضوا في مكتبها التنفيذي إلى أن باغته المرض.

حتى في سنواته الأخيرة، ومع تفاقم المرض، ظل براهمة صامدا ومتمسكا بمواقفه الفكرية والسياسية، ناشطا في متابعة شؤون الحزب والحركة النقابية، والأهم ظل وفيا لعلاقاته الانسانية المتعددة.

في صميم نضاله الطويل، ظلت القضية الفلسطينية النبض الذي لا يخفت في مسيرة مصطفى براهمة، ليست مجرد تضامن، بل جوهر إيمانه العميق بالعدالة والكرامة الإنسانية. ولعل أبلغ ما يجسد هذا الارتباط الوثيق، أن يلف جثمانه صباح اليوم بالعلم الفلسطيني، في وداع يختزل سيرة رجل حمل القضية في قلبه حتى اللحظة الأخيرة.