‎سيون أسيدون (المعطي)..مناضل مغربي يهودي وهب حياته لفلسطين 

سيون أسيدون

بعد عدة أسابيع قضاها متشبثا بأمل الحياة، ترجل قلب سيون أسدون أو المعطي كما كان يناديه رفاقه في العمل اليساري السري، عن صهوة النضال والحياة، و غادرنا صباح اليوم بعد عمر قضاه مدافعا عن تازة وما تمثله من مغرب المهمشين، وغزة لما تختزله من مأساة انسانية لشعب فلسطين الذي يرزح تحت الة القتل الصهيونية منذ نحو 80 عاما.

قبل عدة أسابيع وجد المناضل اليساري اليهودي المغربي، فاقدا للوعي في منزله، و شكل ذلك صدمة كبيرة لأقاربه وأصدقائه ورفاق النضال، الذين لم يعتادوا على أسدون منكسرا، والفوه منتصب القامة يمشي في ساحات النضال رافعا رأسه وصوته من أجل المقهورين هنا وهناك.

منذ الوهلة الأولى لإعلان الوفاة من قبل رفاقه وأصدقائه المقربين، تداولت الأيدي على مواقع التواصل الاجتماعي، صور “الرفيق أسيدون”. وكان من اللافت أن معظم الصور التي تداولتها الأيادي على “جدران” مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها وهو يلتحف الكوفية أو العلم الفلسطينيين، وهو أمر يبرز مركزية هذه القضية في وجدان وضمير هذا المناضل.

الواقع أن النضال من أجل فلسطين لم يكن وليد الحرب الأخيرة التي شنها الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة، ولا قبلها بسنة أو عقد، بل بدأ منذ سنوات وعقود طويلة، وتشكل وعيه بالتحديد عندما فتح عينه على واقع هجرة اليهود من المغرب إلى “الكيان الجديد”.

ولد أسيدون بمدينة أكادير، عام 1948 وهي السنة نفسها التي أعلن فيها قيام دولة الاحتلال، قبل أن يغادر عاصمة سوس سنة 1960 اثر الزلزال المدمر الذي ضربها.

استقر رفقة عائلته بعد ذلك في مدينة الدارالبيضاء، لكن وجدانه المعلق بسوس كان يقوده دائما إلى المنطقة، وفي احدى زياراته ضمن احدى منظمات الكشفية عام 1964 سيدرك وقائع نقل اليهود من المنطقة ومن الجنوب الشرقي إلى “الكيان الجديد”.

بالنسبة لسيون وعائلته، منذ الوهلة الأولى كان الخيار بالنسبة لهم واضح، لا هجرة ولا تهجير ولا رحيل إلى كيان ليس لهم، اختاروا المكوث هنا، وعلى هذه الأرض سطر أسيدون الكثير من صفحات النضال من أجل “تازة وغزة”.

و طوال سنوات النضال لم تغب قضية فلسطين عن انشغالاته اليومية، ولو للحظة، ولم يكن يكتفي بالحضور في الوقفات والمسيرات التي كانت تدعو إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع التي كان عنصرا فاعلا فيها، بل كان فاعلا قويا في الحملة العالمية للمقاطعة الاقتصادية لدولة الاحتلال من خلال نشاطه في حركة “بي دي اس”.

وأسس أسيدون بمعية مناضلين أخرين اللجنة الدولية لإطلاق سراح سهى بشارة، الشابة اللبنانية اليسارية المسيحية، التي حاولت تصفية أنطوان لحد، قائد مليشيا “جيش لبنان الجنوبي” الموالية لاسرائيل.

بعد إنهاء دراسته الثانوية بثانوية “ليوطي” بالعاصمة الاقتصادية للمملكة، هاجر أسيدون عام 1966 إلى فرنسا لدراسة الرياضيات، وفيها تعرف أيضا على دروب النضال السياسي بانخراطه في الحركة الطلابية التي كانت في أوج ثورتها ضد “الغطرسة الامبريالية”، و التي كانت من تجلياتها “حرب الفيتنام”.

عاد أسيدون في العام 1968 إلى المغرب، حتى قبل أن ينهي دراسته العليا، ليواصل ذلك بكلية العلوم بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى جانب مهام التدريس.

وعيه السياسي المبكر، أهله ليكون عنصرا فاعلا في الحركة اليسارية التي ستشهد أوج نشاطها بالمغرب، في سبعينيات القرن الماضي، مع إعلان تأسيس منظمة 23 مارس، التي انتمى إليها وكان من قادة تنظيم “لنخدم الشعب”.

وفي ظل القمع الذي واجهت به الدولة الأفكار والتنظيمات اليسارية، سينال اسيدون قسطه من ذلك أيضا. إذ بعد أربع سنوات من عودته إلى أرض الوطن، ومباشرة مساره النضالي في أفق تحقيق المغرب الممكن، سيعتقل إلى جانب “رفاق اخرين”، عام 1972، وحوكم ب 15 سنة سجنا قضى منها 12 سنة ونصف ويوم واحد، قبل أن يغادر بعفو ملكي في غشت 1984.