كنت اسمع عنه من خلال قريب لي كان يشتغل معه في مسبك زليجة واد الحيمر… كان معجبا به جدا. أعجب بشجاعته وانفته ودفاعه المستميت عن مصالح العمال البسطاء، رغم كونه إطارا. فلم يختر نهج أغلب الأطر التي غالبا ما تكون تشتغل حسب مصالحها فتكون خاضعة لإملاءات المشغل رغم كونها املاءات هدفها استغلال طاقة العمال بل وحتى الأطر أنفسهم، التي تكون نسبيا مستفيدة أكثر من العمال. فالأخ اعمرو، لم يكن من هذه الطينة الأخيرة، لسبب بسيط وهو أنه كان متشبعا بالفكر اليساري الذي يُنظر للدفاع عن الطبقة العاملة أو البروليتاريا… فعرفت بأنه كان منخرطا في حزب التقدم والاشتراكية. ومنه طبعا كان ينهل الفكر التحرري الذي ينادي بتحرر الإنسان من كل تسلط، وخاصة الطبقة العاملة من قيود الرأسمالية المستغلة… وربما كان منخرطا بهذا الحزب منذ أن كان يسمى: حزب التحرر والاشتراكية، هذا الحزب الذي عانى مناضلوه، كباقي اليساريين، من التنكيل والقمع. فالأخ اعمرو، إذن استطاع بدهائه وحنكته واحتكاكه الدائم بالعمال، ان يجسد ما سماه المنظر الإيطالي جرامشي بالمثقف العضوي، والذي اسميه انا بالمناضل العضوي، تفاديا للمفهوم الرائج بأن المثقف هو الشخص الذي يبدع في الكتابة و التنظير فقط، علما أنه قد يفتقد إلى العنصر الأساسي المتجلي في الوعي المؤلم، وليس فقط ذلك الوعي الزائف، وهو ما يفقده صفة المثقف، لأنه بالنسبة الي عنصر الوعي المؤلم هو الأساسي في تحديد المناضل الحقيقي، وبالتالي تحديد المثقف العضوي الجرامشي. فالعضوية في النضال وليس في الثقافة بالمفهوم الرائج. ولأنني ابن عامل منجمي توصلت إلى هذه القناعة. فالألم الذي تعيشه الطبقة المغلوبة على أمرها في الحياة، هو الذي ينتج الوعي لديها، وبطبيعة الحال لدى كل من يحس بهذا الألم أيضا، بدءا من أقرباء هذه الطبقة، إلى أولئك المناضلين الذين يتحلون بالإحساس الإنساني القوي. وأستعير هنا ما قاله سقراط:”خلف الألم، يولد الوضوح”. والوعي في نظري هو أقوى الوضوح.
هو ذا الإنسان، الذي جسده الأخ اعمرو مكاوي. فكان دائم التواجد إلى جانب العمال أينما كانوا حسب استطاعته. وزيادة على علاقته بعمال جرادة مثلا، كان يجول احوازها ممتطيا فرسا، للقيام بحملته الانتخابية البرلمانية، كلما رشحه حزبه، حزب التقدم والاشتراكية. حتى عرف ب”مول العودة”. كان معروفا بهذه الطريقة الفريدة التي تسمح له بالاتصال والتواصل المباشرين بالبدو الرحل. وكما كان دائما يردد، أن هدفه ليس الفوز في الانتخابات لأن ذلك لم يكن ممكنا أمام القرارات الفوقية، ولكن هدفه أن يساهم في توعية من يلتقي بهم أو من يخطب فيهم بحنكته المعروفة. لأنه كان خطيبا ماهرا، لأنه كان صادقا. يخطب في الناس بلغتهم وباستحضار الأمثال الشعبية لزرع فيهم بذور الوعي الاجتماعي وحثهم على الدفاع عن كرامتهم.. فهدفه أيضا كما كان يقول هو التفريغ، وهو تعبير عن معاناة ذاتية تلتحم بمعاناة كل محروم ومقهور. هكذا نقبض على العلاقة بين الألم والتألم والوعي بالظروف الاجتماعية والسياسية، وبطبيعة الحال الوعي بضرورة تحقيق الكرامة الإنسانية.
هو ذا الأخ مكاوي اعمرو… الإنسان البسيط و المتواضع، المحب للعدالة بانحيازه إلى الطبقات المسحوقة. ناضل في صفوف حزب التقدم و الاشتراكية، وفي نقابة الاتحاد المغربي للشغل، بحكم اشتغاله بمسبك زليجة بواد الحيمر. ثم بعد أن طرد من العمل مع مجموعة من المناضلين، التحق بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، بفرع وجدة. وهذه هي الفرصة التي سوف ألتقي فيها، به شخصيا وأتعرف عليه عن قرب. فزرته مرارا حيث كان يقيم بمنزل أحد أصهاره الطيبين الذين خففوا من معاناته بعد الطرد. فظل، رغم معاناته اجتماعيا بسبب هذا الطرد التعسفي، رمزا للنضال الصادق، كما يشهد سكان واد الحيمر الذين يعترفون له كونه هو من فجر مشكل مرض الساتورنيسم الذي ذهب ضحيته، زيادة على العمال، مجموعة من الأطفال. فعجلت هذه المحطة النضالية ببناء منازل للعمال بعيدا عن “الدار الكبيرة أو the big house”، والتي كانت معروفة بالدارجة: ب”بوكّاوز”، حيث كانت تكدس نفايات الرصاص، ومنها، بسبب الشقوق في حيطانها، كانت تتسرب الغازات السامة، وتقتل الطيور والنحل والأطفال… بل وكانت ترمى النفايات السامة بواد إسلي الذي يمر بواد الحيمر. وهكذا كان سباقا فيما أصبح يعرف بالنضال الإيكولوجي. ومن بين ما يتذكر أيضا أبناء واد الحيمر، هو رفضه ابتزازات الإدارة، بل واستمالته ماديا، لتوقيف الإضراب. ثم لا أنسى اعتصامه مع عمال جرادة أثناء الحملة الانتخابية البرلمانية، حيث كان مرشحا باسم منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، رافضا أن يقوم بتلك الحملة تضامنا مع العمال. لأن الحملة تزامنت مع بداية الإجراءات لغلق مفاحم جرادة، فعرفت جرادة حينها إضرابات واعتصام العمال. المناضل أعمرو، زيادة على كل هذا، يمكن اعتباره أيضا مناضلا امميا بإيمانه بالحركة البروليتارية العالمية. فكان يعبر عن فكره بالنضال على أرض الواقع بتواجده وتضامنه مع العمال أينما وجدوا حسب ظروفه. وبحضوره أيضا لمؤتمرات “الأممية الثالثة” التي كانت تؤمن بعولمة النضال البروليتاري، مجسدة تلك الصرخة الشهيرة: “يا عمال العالم، اتحدوا! “. فواصل هذا الاهتمام بالطبقة العاملة أثناء تواجده ببلجيكا، منذ أن استقر بها رفقة زوجته منذ التسعينات.
بهذا أختم كلمتي هذه التي اعتبرها شهادة مني أمامكم اليوم، في حق إنسان، صديق لي، إنسان صدوق، وصادق في أقواله وأفعاله، التي لم تكن تخلو من فكاهة. هذه الفكاهة الذكية التي كانت تخدم التواصل وتخلق الحميمية بينه وبين من عاشروه، شاكرين كل القوى الديمقراطية التي نظمت هذا الحفل التأبيني، وعلى رأسهم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي وفرت هذا الفضاء، وكل من حج للحضور لهذه اللحظة التاريخية التي سمحت لنا باستحضار زمن يبدو بعيدا لكنه كله دروس، لحاضر يواصل بطريقته النضال من أجل الكرامة…
وفي الأخير ندعو لفقيدنا بالرحمة والمغفرة، ولروحه السكينة والسلام، ولعائلته الصغيرة والكبيرة، الصبر والسلوان.
كلمة محمد العرجوني، في حفل تأبين المناضل مكاوي اعمرو، يوم السبت 08 نونبر 2025، بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل- وجدة،

