وجه جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، انتقادات لاذعة لواقع الممارسة الانتخابية في المغرب، محذرا من تكرار سيناريو “الفرص الضائعة” التي فوتت على المملكة الانتقال الديمقراطي الحقيقي لعقود. جاء ذلك خلال لقاء تواصلي نظمه الحزب بمدينة وجدة مساء أمس، حيث دعا العسري إلى إصلاحات جذرية تقطع مع “فلكلورية الانتخابات”.
واستهل العسري مداخلته باستحضار مقولة الراحل بنسعيد ايت يدر حول “مغرب الفرص الضائعة”، مشيرا إلى أن المغرب أهدر ست فرص تاريخية للإصلاح، وأن الحزب يرفض أن تكون المحطة القادمة هي “فرصة أخرى ضائعة”. واعتبر المتحدث أن الانتخابات تشكل المدخل الأساسي والرئيسي لأي تغيير ديمقراطي حقيقي، مشككا في جدوى العملية الانتخابية بآلياتها الحالية، واصفا إياها بأنها تتأرجح بين كونها “مصنوعة” أو مجرد “فلكلور”.
وفي تشبيه لافت، انتقد العسري استمرار إشراف وزارة الداخلية على الانتخابات منذ عام 1962. واستخدم استعارة شعبية قائلاً: “الأمر يشبه عائلة تقيم أعراسا باذخة لكنها تأتي بنفس الطباخة التي تفسد الطعام في كل مرة. لقد حان الوقت لتغيير الطباخة”.
وطالب الأمين العام بضرورة إحداث “هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات”، مشيرا إلى أن دولا مجاورة كالجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا قد سبقت المغرب في تأسيس هيئات مستقلة، بينما لا تزال وزارة الداخلية المغربية متمسكة بهذا الملف. وأكد العسري أن استمرار الوزارة في تدبير الانتخابات سيجعل البرلمان المقبل مشكوكا في تمثيليته للإرادة الشعبية، تماما كما كان الحال في السابق.
وفي معرض حديثه عن المشاركة السياسية، أشار العسري إلى أن الأغلبية الساحقة من المغاربة (ما يقارب 77%) لا يصوتون، إما بسبب عدم التسجيل أو العزوف. ولتجاوز معضلة اللوائح الانتخابية، اقترح الحزب الاشتراكي الموحد اعتماد “البطاقة الوطنية” كوثيقة وحيدة وتلقائية للتصويت، مما يتيح لكل مواطن بالغ سن الرشد القانوني ممارسة حقه دون حواجز التسجيل البيروقراطية، وذلك عبر استغلال قواعد البيانات المتوفرة لدى الداخلية والقضاء والجماعات الترابية.
وانتقد العسري بشدة الخريطة الانتخابية الحالية، واصفا إياها بأنها “مفصلة على المقاس”. ودعا إلى اعمال نظام الاقتراع اللائحي الحقيقي الذي يشمل دوائر واسعة، بدلا من اللوائح المصغرة (التي تضم مقعدين أو ثلاثة) والتي تفرغ النظام اللائحي من محتواه السياسي وتكرس منطق الأعيان.
وختم العسري مداخلته بالتحذير من أن الإصلاحات التي يتم الترويج لها حاليا هي إصلاحات “تقنية وإجرائية” وليست سياسية عميقة. وأكد أن بقاء الوضع على ما هو عليه سيعيد إنتاج نفس المؤسسات القائمة على “الريع والفساد وزواج المال بالسلطة”.
وخاطب العسري الحضور قائلاً إن الأمل الوحيد لتفادي “طبخة بائتة” أخرى يكمن في يقظة المواطنين والمواطنات ورفضهم لهذا الواقع، والمطالبة بمؤسسات تمثيلية حقيقية يفرزها صناديق اقتراع نزيهة، تمكن الشعب من إيصال ممثلين أكفاء قادرين على الدفاع عن مصالحه.

