محمد طلحة
إذا كان الاستقلال المالي والتدبير الذاتي الممنوحان للجماعات الترابية، كما ينص عليهما القانون التنظيمي 113.14، يفترضان حرية القرار وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الواقع المالي يكشف مفارقة جوهرية.
فميزانيات عدد كبير من الجماعات تستنزف أساسا في نفقات التسيير، وعلى رأسها أجور الموظفين التي تعد نفقات إجبارية، وغالبا ما تفوق الحاجيات الفعلية للجماعة من الموارد البشرية، سواء من حيث العدد أو التخصص.
في هذه الحالة، يصبح الاستقلال المالي استقلالا نظريا أكثر منه فعليا، لأن الجزء الأكبر من الميزانية يكون محجوزا مسبقا لنفقات لا يمكن تقليصها أو إعادة توجيهها، مما يفرغ مبدأ حرية الاختيار المالي من مضمونه. فالجماعة لا تختار كيف تنفق مواردها، بل تجبر على تغطية التزامات ثابتة قبل أي تفكير في التنمية.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل نحن أمام استقلال مالي حقيقي، أم أمام استقلال ملغوم، حددت حدوده سلفا بحيث لا يسمح إلا بهامش ضيق جدا للمبادرة؟
يمكن، في هذا السياق، النظر إلى الجماعة الترابية لا باعتبارها فقط فضاء للتدبير المحلي، بل أيضا وعاء لامتصاص مناصب الشغل من طرف الدولة لحل ازماتها المرتبطة بالبطالة ، حيث يتم توسيع الكتلة الأجرية باسم القرب والخدمة العمومية، بينما يرحل عبء هذه الاختيارات إلى الجماعة نفسها، لا إلى الدولة المركزية.
وبذلك، تقدم العملية الانتخابية في واجهتها كتكريس للديمقراطية المحلية، في حين تحمل الجماعات، في عمقها، أعباء اجتماعية وبنيوية تفوق قدراتها المالية، مما يحولها من فاعل تنموي إلى جهاز لتدبير الأجور فقط.
الخلاصة أن الإشكال لا يكمن في مبدأ اللامركزية في حد ذاته، بل في التناقض بين الخطاب القانوني والواقع المالي:
استقلال معلن، يقابله تقييد فعلي عبر نفقات إجبارية تلتهم الميزانية، فتفرغ التنمية من مضمونها، ويختزل دور الجماعة في التسيير بدل البناء.
أمثلة رقمية للتعزيز والفهم
دعونا نعرض مثالين لتقريب الصورة أكثر:
المثال الأول: وجدة
ميزانية مدينة وجدة لسنة 2024 تقدر بأكثر من 500 مليون درهم.
وبقراءة سريعة للميزانية، يتبين أن أجور الموظفين الرسميين تقارب 200 مليون درهم.
وإذا افترضنا جدلا أن متوسط أجر الموظف هو 15.000 درهم شهريا (وهو افتراض مبالغ فيه)، فإن عدد الموظفين المفترض يصل إلى حوالي 1100 موظف.
وبالنظر إلى عدد المقاطعات (18 مقاطعة) إضافة إلى المقر المركزي، فإن هذا الرقم يبدو ضخما جدا، بمعدل يقارب 57 موظفًا لكل مقاطعة، دون احتساب التفاوت بين الاختصاصات أو حجم الخدمات المقدمة.
المثال الثاني: فجيج
ميزانية جماعة فجيج لسنة 2024 تتجاوز بقليل 17 مليون درهم.
عدد موظفيها الرسميين هو 30 موظفا، بينما الاعتماد المرصود للأجور يبلغ حوالي 7.750.000 درهم، أي بمعدل يقارب 25.000 درهم لكل موظف.
كل هذه المعطيات تبقى دون الحديث عن:
اعتمادات العرضيين والمتعاقدين
تعويضات الرئيس وذوي الحق من المستشارين
مصاريف التسيير المرتبطة فقط ببقاء المؤسسة مفتوحة (ماء، كهرباء، وقود،تنقل ، صيانة…)
وذلك قبل الحديث أصلا عن أي تدخل تنموي فعلي.
بهذه الأمثلة، لا يعود النقاش نظريا أو إيديولوجيا، بل يصبح نقاشا رقميا وواقعيا يطرح سؤال الجدوى:
هل الجماعة فضاء للتنمية المحلية، أم تحولت عمليا إلى جهاز لتدبير كتلة الأجور تحت غطاء الاستقلال المالي؟

