شهدت مدينة الحسيمة، في الفترة الممتدة ما بين 20 و24 يناير المنصرم، بزوغ مشروع ثقافي يحمل اسم “تيفرا جاز” (TIFRA JAZZ). الحدث الذي أطلق عليه اسم “الدورة الصفر”، جاء كخطوة تمهيدية تهدف إلى إرساء القواعد الأولى لمهرجان مستقبلي يعيد تشكيل المشهد الموسيقي في “جوهرة المتوسط”، من خلال تلاقح فريد بين موسيقى الجاز العالمية وموسيقى الجذور والفوجن.
افتتحت فعاليات المهرجان بالمركز الثقافي مولاي الحسن، حيث بصم فنانون دوليون على أداء راقٍ في فن الجاز. لكن المفاجأة التي أبهرت الحاضرين كانت في تلك اللحظة التي اعتلى فيها موسيقيو الجذور المحليون “ثروى ن الشيخ عيسى” الخشبة دون سابق إعلان، ليحدث لقاء مباشر وتلقائي بين إيقاعات الجاز وأصالة التراث المحلي، مما عكس توجها فنيا معاصرا منذ البداية.

ولم تقتصر فعاليات “تيفرا جاز” على المسارح المغلقة، بل امتدت لتشمل أبعادا إنسانية واجتماعية، حيث انتقلت الفرق الموسيقية في اليوم الثاني إلى قرية الأطفال “إس أو إس” (SOS) بإمزورن، في تجربة مشتركة تهدف إلى تقريب الموسيقى من الأجيال الصاعدة وتعزيز الدور الاجتماعي للفن.
في اليوم الثالث، كان الموعد بفندق “ميركور”، الذي احتضن حفلا موسيقيا متميزا منح فرصة ذهبية لشباب المنطقة الموهوبين للعزف جنبا إلى جنب مع محترفي الجاز. وشكلت هذه اللحظة إحدى أبرز محطات الدورة، حيث تجسدت فيها قيم نقل التجربة، الإبداع الجماعي، والتواصل بين الأجيال في أجواء تميزت بحضور جماهيري متنوع من حيث الأعمار والجنسيات.

رغم أنها دورة تمهيدية، إلا أن المنظمين حرصوا على تقديم مستوى مهني، حيث تميزت العروض بجودة تقنية عالية في الصوت والإضاءة. والمثير للاهتمام، كما أكد القائمون على المشروع، هو أن هذه الدورة أنجزت عمدا بـ “ميزانية صفر”، كخيار واعي للحفاظ على الاستقلالية والحرية الفنية، والاعتماد على الدعم الجماعي والتعاون المؤسساتي (كاب راديو، فندق ميركور، دار الثقافة، وعلامات تجارية محلية).

عقب اختتام الأنشطة، عقد اجتماع تقييمي واستراتيجي بحضور مدير دار الثقافة، خلص إلى ضرورة مأسسة المشروع عبر إحداث جمعية مخصصة لتدبير المهرجان. وتتجه النية لتنظيم الدورات المقبلة خلال فصلي الربيع أو الخريف، وذلك كأداة لتنشيط الحياة الثقافية والسياحية والتجارية في مدينة الحسيمة خارج موسم الذروة الصيفي.
يذكر أن “تيفرا جاز” هو ثمرة مبادرة جماعية أطلقها فاعلون ثقافيون من أبناء الحسيمة، سواء المقيمين بها أو المهاجرين، الذين اختاروا العمل التطوعي بعيداً عن الأضواء الفردية، لبلورة رؤية فنية تضع المدينة على خارطة المهرجانات الموسيقية الدولية الرصينة.


