مصطفى البرغوثي: حكيم المقاومة الشعبية وميزان الصمود في وجه التزييف

قبل أيام، ومن فوق منبر المؤتمر الدولي لمناهضة الحرب في لندن، وقف الدكتور مصطفى البرغوثي ليلقي خطابا لم يكن مجرد عرضٍ للأرقام، بل كان “تشريحا” أخلاقيا وسياسيا للواقع الفلسطيني. قال البرغوثي إن إسرائيل “قتلت بكل وحشية وإجرام ما لا يقل عن 22 ألف طفل فلسطيني”، محذرا من أن إنقاذ 82 ألف مولود جديد يعيشون وسط هذا الموت “ليس مجرد عمل إنساني، بل هو فعل مقاومة”. كان البرغوثي يدعو العالم لدعم “استراتيجية الصمود” ورفض التهجير، محولا الولادة من قدر بيولوجي إلى قرار سياسي بالبقاء.

لكن، وكما جرت العادة مع الأصوات التي تشكل خطرا على السردية الصهيونية، تعرضت كلماته لعملية “جراحية” خبيثة في مختبرات التضليل الإعلامي. اجتزئت التصريحات، سقط اسم “إسرائيل” كفاعل للقتل، واستبدلت مفردات “الإنقاذ والمقاومة” بكلمات مثل “الإنتاج والمعجزة”، ليظهر البرغوثي وكأنه يتحدث بلغة حسابية باردة، بينما كان في الحقيقة يقرع أجراس الخطر لحماية جيل يراد إبادته. هذا التحريف لم يكن مجرد خطأ عابر، بل كان محاولة لاغتيال معنوي لقامة فكرية استعصت على التطويع لعقود.

بعيدا عن ضجيج الحملات الممنهجة، يبرز مصطفى البرغوثي، ابن القدس، كواحد من ألمع العقول الفلسطينية التي جمعت بين رصانة العلم وحرارة النضال. فهو الطبيب الحاصل على شهادة الدكتوراه، والمثقف الحائز على الماجستير في الإدارة، والفيلسوف الذي يدرك أن حرية الجسد من المرض لا تكتمل إلا بحرية الأرض من الاحتلال.

لم يكن البرغوثي يوما “رجل مكاتب”، بل كان رجل ميدان بامتياز. فمنذ تأسيسه للإغاثة الطبية عام 1979، وضع حجر الأساس لمفهوم “الصمود المقاوم”، حيث تخدم هذه المؤسسة اليوم أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني سنويا، محولةً الرعاية الصحية إلى أداة لتعزيز البقاء على الأرض. وفي عام 1996، لم يكتفِ بالتنظير، بل دفع ضريبة الانتماء بدمه حين أصيب برصاص الاحتلال، ثم تعرض للاعتقال والمنع من دخول مدينته القدس، وهي أوسمة لم تزده إلا إصرارا.

تتجلى عبقرية البرغوثي السياسية في قدرته على صياغة “طريق ثالث” وسط الاستقطاب الحاد. بتأسيسه لـ “حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية” رفقة عمالقة مثل حيدر عبد الشافي وإدوارد سعيد وإبراهيم الدقاق، قدم رؤية وطنية تتجاوز الفصائلية الضيقة.

لقد كان البرغوثي من أوائل الذين استشرفوا مآلات “اتفاق أوسلو”، فاستقال من وفد المفاوضات عام 1993 احتجاجا على نهج لم يقدم للفلسطينيين سوى تكريس الاستيطان. هذا الموقف المبدئي هو ما جعله يحصد قرابة 20% من أصوات الفلسطينيين في انتخابات الرئاسة عام 2005، ممثلا لتيار عريض يؤمن بالديمقراطية والشفافية ومحاربة الفساد بقدر إيمانه بمقاومة الاحتلال.

إن فكر مصطفى البرغوثي يرتكز على ركيزة صلبة هي “المقاومة الشعبية”. هو لا يدعو للانتظار، بل للفعل عبر المقاطعة (BDS) وفرض العقوبات على إسرائيل، وتغيير ميزان القوى من خلال الاعتماد على الذات. بالنسبة له، فإن صمود المواطن في قريته المهددة بالجدار هو “نضال استراتيجي”، وفضح جرائم الاحتلال في محكمة لاهاي — التي كان أحد قادتها — هو “اشتباك حقوقي” لا يقل أهمية عن أي مواجهة أخرى.

وعلى الصعيد الداخلي، ظل البرغوثي “مهندس الجسور”. فدوره في الوساطة بين حركتي فتح وحماس، وتوليه وزارة الإعلام في حكومة الوحدة الوطنية عام 2007، يعكسان إيمانه العميق بأن “القيادة الوطنية الموحدة” هي الممر الإلزامي الوحيد نحو التحرر.

إن الحملة الأخيرة على الدكتور مصطفى البرغوثي هي اعتراف مبطن بفعالية خطابه. يهاجمونه لأنه يتحدث الإنجليزية بلغة يفهمها الغرب، ويخاطب العقل قبل العاطفة، ويربط بين معاناة الطفل الفلسطيني ومنظومة الأبرتهايد العالمية.

مصطفى البرغوثي هو نموذج للمثقف المشتبك الذي يسخر علمه ومؤسساته لخدمة شعبه. إن أفكاره حول المقاومة الشعبية، وبناء التكامل بين الداخل والشتات، وتغيير ميزان القوى، تظل هي البوصلة الأكثر أمانا في زمن التيه السياسي.