تقرير دولي: الصحافة المستقلة تتجاوز دورها الإخباري إلى تعزيز الاقتصاد والأمن والاستقرار

أكد تقرير دولي حديث أصدرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بشراكة مع أكاديمية دويتشه فيله (DW Akademie) والبرنامج الدولي لتطوير الاتصال (IPDC/IPFIM)، أن الصحافة المستقلة تمثل استثمارا استراتيجيا يتجاوز دورها التقليدي في نقل الأخبار، لتصبح عاملا أساسيا في تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الوطني، ودعم الاستقرار الديمقراطي، وتحسين الاستجابة للأزمات والكوارث.

وأوضح التقرير، المعنون “قيمة الصحافة” (The Value of Journalism)، أن الأدلة المستقاة من عشرات الدراسات الدولية تؤكد وجود علاقة مباشرة بين قوة الإعلام المستقل وارتفاع مستويات التنمية الاقتصادية وجودة الحكامة، مشيراً إلى أن الدول التي تتمتع بمستويات أعلى من حرية الصحافة تحقق معدلات أفضل في النمو والاستثمار، وتسجل مستويات أقل من الفساد.

وأشار التقرير إلى أن الصحافة تسهم في تحسين توزيع الموارد العمومية من خلال مراقبة الإنفاق العام وكشف الاختلالات، وهو ما ينعكس على جودة الخدمات الأساسية، واستعرض نماذج من عدة دول أظهرت أن التحقيقات الصحفية ساهمت في استرجاع أموال عمومية، والحد من الرشوة، وتحسين تدبير الميزانيات المحلية، كما أن وجود إعلام محلي قوي يساعد على توجيه الاستثمارات والإنفاق العمومي نحو القطاعات الأكثر احتياجا، ولفت إلى أن التضليل الإعلامي يكلف الاقتصاد العالمي نحو خمسمائة وخمسين مليار دولار سنوياً، ما يجعل الاستثمار في الإعلام المهني أقل كلفة وأكثر مردودية مقارنة بالخسائر الناجمة عن الأخبار الزائفة.

وفي محور الأمن والاستقرار، أبرز التقرير أن الصحافة تؤدي دورا محوريا في مواجهة حملات التضليل الإعلامي، والحد من الاستقطاب المجتمعي، وتعزيز ثقة المواطنين بالمعلومات الموثوقة، خاصة خلال الانتخابات والأزمات السياسية. وأوضح أن المجتمعات التي تتمتع بإعلام مستقل تكون أكثر قدرة على مقاومة الأخبار الكاذبة، وأقل عرضة للعنف وعدم الاستقرار، فيما تسهم الصحافة الاستقصائية في كشف التهديدات الأمنية وتعزيز المساءلة والشفافية، بما يدعم الأمن الوطني ويحافظ على تماسك المؤسسات.

كما شدد التقرير على أهمية الإعلام خلال الكوارث والأزمات الإنسانية، موضحاً أن التغطية الإعلامية المهنية تساعد على إيصال المعلومات المنقذة للحياة، وتوجيه جهود الإغاثة، وتسريع استجابة السلطات، إضافة إلى تعبئة الدعم الإنساني والتمويل الدولي، واستشهد بعدد من الدراسات التي أظهرت أن التغطية الإعلامية المكثفة للكوارث الطبيعية والأزمات الصحية تؤدي إلى زيادة حجم المساعدات الإنسانية وتحسين سرعة الاستجابة الرسمية، كما برز هذا الدور بوضوح خلال جائحة كوفيد-19، حيث ساهمت الصحافة في نشر المعلومات العلمية، والتصدي للشائعات، وتعزيز الالتزام بالإجراءات الوقائية.

وأكد التقرير أن الصحافة لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسهم أيضا في بناء مجتمعات أكثر استعداداً وقدرة على الصمود، عبر نشر الوعي بالمخاطر البيئية والصحية، ومراقبة أداء المؤسسات، وتحفيز صناع القرار على اتخاذ إجراءات وقائية. كما تساعد التغطية المستمرة للقضايا البيئية والمناخية على تعزيز الاستعداد للكوارث الطبيعية والحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

وخلص التقرير إلى أن الإعلام المستقل يشكل أحد أعمدة الديمقراطية والتنمية المستدامة، داعيا الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص إلى اعتباره استثمارا في المصلحة العامة، وليس مجرد قطاع اقتصادي. وأكد أن دعم الصحافة المهنية يعزز الشفافية، ويرفع جودة السياسات العمومية، ويحد من الفساد، ويقوي الثقة في المؤسسات، كما يسهم في حماية الأمن الوطني وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في ظل تصاعد تحديات التضليل الإعلامي والأزمات العالمية.