حين دخلتُ الحانة مجهولة الاسم للمرة الأولى، لم أكن أبحث عن الشراب، ولا عن رجل يسد شهوتي، ولا حتى عن الله. كنت أبحث عن مرحاض بعد أن كرعتُ قنينة ماء دفعة واحدة، لأغسل بها حرقة معدتي، ثم وقفت أمام الباب الذي لا تعلوه لافتة، أترنح بين حاجتي إلى التبول وحاجتي إلى ألا يسألني أحد: ماذا تريدين؟
نظر إلي الفيدور طويلا.
أعرف جيدا تلك النظرة، رجل يحاول أن يضع المرأة أمامه في خانة قبل أن يسمح لها بالدخول؛ عاهرة؟ مثلية؟ امرأة تنتظر رجلا؟ امرأة تنتظر امرأة؟
لم يجد الخانة المناسبة.
ففتح لي الباب.
دخلت.
ولم أكن أعرف أنني سأعود إلى تلك الحانة في الليلة التالية، ثم التي بعدها، حتى يصبح المكان الذي دخلته لأفرغ مثانتي هو المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني أستطيع أن أتقيأ فيه وجعي.
كانت الحانة بلا اسم.
وهذه أول صفة أحببتها فيها.
الأسماء، في رأيي، مؤامرة صغيرة اخترعها البشر كي يطمئنوا إلى الأشياء. نسمي الطفل قبل أن نعرف من سيكون، ونسمي الحب قبل أن نعرف كم سيؤلم، ونسمي الله ثم نقضي العمر في الدفاع عن الاسم أكثر مما نقضي العمر في البحث عنه.
أما هذه الحانة، فقد اختارت أن تبقى بلا اسم.
في تلك الليلة، كانت امرأة تتحدث في هاتفها داخل المرحاض. سمعتها تضحك بتهكم وهي تقول لصديقتها:
«معي واحد القواد… والله لا ينكح حتى في سبيل الوطن»
ثم انفجرت ضاحكة، وأضافت أن ماله يشفع له، وأنه طلب لها خمس زجاجات من جعة بيدوايزر.
ابتسمت.
لا بأس، فالحانة هي المكان الوحيد الذي لا يطالب الناس أن يكونوا صالحين طوال الوقت!
خرجتُ من المرحاض، ووجدتُ الحانة تعترف بفشلها، ستائر تثير الغثيان، منفضات سجائر ممتلئة، كراسٍ فقدت حقها في أن تسمى كراسي، وطاولات لاصقة من أثر كؤوس لا يعرف أحد أصحابها.
كانت حقيرة.
ولهذا أحببتها. وشعرتُ بالألفة داخلها… في الخارج، كل شيء مصقول بما يكفي ليخدعك. هنا، لا أحد يتكلف إخفاء القبح.
صرنا نأتي إليها يوميا بعد أن أغلقت حانة «مادام گيران» أبوابها في وجه النساء. وحين نسأل الفيدور يجيب بلسان ملدوغ، ينطق الكلمة كمن يلفظ الخطيئة:
⁃ مكنسربيوش العيالات.
نفس العبارة، نفس المنطق الحجري، نفس الإيمان الأعمى الذي يبرر القسوة باسم الاله.
سألته: علاش؟ وكيفاش؟ وشكون صاحب الأمر؟
أوامر إلهية عليا.
وانتهى الأمر.
ولم أفهم حينها لماذا يصر الله على أن تكون له أبواب كثيرة، ثم يجعل بعضها لا يُفتح إلا لمن يشبهونه في تصوراتنا البشرية عنه.
في الحانة مجهولة الاسم، كان الله أكثر غموضا.
وهذا ما جعله أقرب.
كانت البارميطة أمال تعرفني جيدا. لم تعد تسألني ماذا أريد أن أشرب، بل ماذا أريد أن أسمع. حفظت الموسيقى التي أشغلها في الـBluetooth، وحفظت أنني أعود إلى الأغاني القديمة حين أكون حزينة، وأنني أختار الصخب حين أكون على وشك الانهيار.
ذات ليلة طلبت أن أشغل «راحلة» لمحمد الحياني.
قالت:
«لا، هذه طويلة.»
ضحكتْ.
كنت أقدرها بما يكفي لأتنازل عن أغنية من أجلها.
الرجال في الحانة كانوا يحدقون في النساء كما لو أن دخول امرأة إلى مكان كهذا يمنحهم حقا غير مكتوب في امتلاك نصفها على الأقل. كانوا يلمسون الجدران، يضحكون بصوت عال، ويتبادلون النظرات التي تقول ما لا يجرؤون على قوله.
وكان افتراضهم أن كل امرأة تدخل الحانة عاهرة يزيدني عنادا.
لطالما أحببت أن أخيب توقعات الآخرين.
وفي تلك الليلة، حين امتلأت مثانتي مرة أخرى، دخلت المرحاض.
وجدت نادلا يشبه رجل البرينكلز يتوضأ.
توقفت.
لم أعرف لماذا أدهشني المشهد.
ربما لأنني كنت قد قضيت سنوات أتعامل مع الإيمان باعتباره مكانا مغلقا، فإذا به يظهر لي هنا، وسط رائحة السجائر والبيرة والبول، رجلا يغسل يديه ووجهه استعدادا للصلاة في مكان دنس.
تذكرت فيلم «كاباريه»، وتذكرت ذلك المشهد الأسطوري لأحمد بدير، الذي يلتقي فيه التدين بما لا يتوقعه الناس منه.
خالجني شعور أن الايمان لا يحتاج مسجدا، فقط قلبا ينبض، والتحدي الحقيقي ليس أن تصلي في الحانة، أو تشرب في مسجد، بل ان تحمل تناقضاتك دون ان تطلب اذنا من أحد!
خرجت من المرحاض.
وعندما عدت إلى طاولتي، كان هناك رجل يجلس في المقعد المقابل.
لم أره يدخل.
كان يضع يديه فوق الطاولة، وينظر إلي كما لو أنه كان ينتظرني.
قال:
«أنتِ تأخرتِ.»
قلت:
«هل نعرف بعضنا؟»
هز رأسه:
«ليس بعد.»
قهقهت، ظننته سكرانا.
لكنه لم يضحك.
ثم قال:
«هل تعرفين لماذا لا اسم لهذه الحانة؟»
نظرت حولي.
قلت:
«لأن صاحبها كسول؟»
ابتسم.
«لأن كل من يدخلها يأتي باسم غير اسمه العاهرات، السكارى، البارميطات…»
ثم أخرج من جيبه دفترا أسود صغيرا ووضعه أمامي.
كان الدفتر ممتلئا بالأسماء. أسماء كثيرة. بعضها أعرف أصحابها. بعضها لم أسمع به قط. وبينما كنت أقلب الصفحات، رأيت اسمي. تجمدت يدي. كان مكتوبا في الصفحة الأخيرة. وتحته تاريخ. تاريخ أقدم من الليلة التي دخلت فيها الحانة للمرة الأولى. رفعت عيني إليه.
قلت:
«من كتب هذا؟»
قال بهدوء:
«أنتِ.»
ثم أغلق الدفتر.
لأول مرة منذ دخلت الحانة، ساد الصمت.
نظرت حولي.
كل الوجوه كانت متجهة نحوي.
البارميطة أمال.
النادل الذي يشبه رجل البرينكلز.
المرأة التي كانت تضحك في المرحاض.
حتى الفيدور كان واقفا عند الباب.
كانوا جميعا ينظرون إلي كما لو أنهم يعرفون شيئا لا أعرفه.
قلت للرجل:
«شكون نتا؟»
نظر إلى الدفتر. ثم إلي. وقال:
«أنا آخر واحد دخل هاد الحانة باسمك.»
لم أفهم. لكنه لم يشرح. فتح الدفتر مرة أخرى، وقلب إلى الصفحة الأخيرة. كان هناك سطر واحد فقط. بخط يدي.
«إذا رجعتُ، لا تخبروني من أنا.»
رفعت عيني إليه. اختفى. لم يكن هناك أحد في المقعد المقابل. فقط الدفتر. وموسيقى بدأت من تلقاء نفسها.
«راحلة» لمحمد الحياني.
الأغنية التي قالت أمال أنها طويلة!
نقلا عن حساب فاطمة الزهراء أمزكار على فايسبوك
ملاحظة: عنوان النص من اختيار هيئة التحرير

