في مقبرة “سيدي أمبارك” بمدينة سبتة المحتلة، لم تدفن أمس السبت مجرد جثامين لشباب ضاقت بهم الأرض بما رحبت؛ بل دفنت هناك بقايا “عقد اجتماعي” يفترض أن يربط الدولة بمواطنيها. هناك، وبينما كانت المعاول تحفر القبور من الرقم 5426 إلى 5437، كانت الحكومة المغربية تحفر خندقا أعمق من القطيعة واللامبالاة مع تطلعات وآلام جيل كامل.
ثلاثون جثمانا في يومين، بينهم قاصرون في عمر الزهور، تحولوا في رمشة عين من شباب بأسماء، وأحلام، وعائلات، وصفات قانونية، إلى “أرقام تسلسلية” في قسم مجهز حديثا لاستيعاب “فائض الموت”. يا لها من مفارقة موجعة؛ أن تعجز الحكومة عن توفير “أرقام” في سجلات التوظيف ومشاريع التنمية، وتنجح بجدارة في تحويل مواطنيها إلى أرقام في مقابر الغربة!
إن هذا المشهد الجنائزي المهيب، الذي غابت عنه عائلات الضحايا وحضرت فيه غصة اليتم الوطني، يضعنا أمام سؤال أخلاقي ودستوري حارق: أين هي الحكومة؟ ولماذا يبتلع المسؤولون ألسنتهم حين يتعلق الأمر بدم مغربي يهدر على الحدود؟
إن سياسة “الصمت المريب” التي تنهجها الحكومة، وتصريحاتها “الشاردة” التي تأتي متعالية على الواقع، تعكس عقلية تعتبر المواطن مجرد “رقم إحصائي” في معادلات النمو الجاف، وليس إنسانا له الحق في الحياة والكرامة. لقد سدت هذه الحكومة، بسياساتها الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، كل الأبواب في وجه هؤلاء الشباب، ولم تترك لهم سوى “باب البحر” أو “سياج الموت”، ثم وقفت تتفرج عليهم وهم يسحقون أو يغرقون، وكأن الأمر يحدث في قارة أخرى!
كيف يمكن لحكومة تحترم نفسها أن تنام ملء جفونها وهي ترى “قاصرين” يهربون من حضن الوطن ليرتموا في أحضان الموت؟ هؤلاء الأطفال لم يختاروا الانتحار، بل اختاروا “محاولة حياة” بعد أن استحال العيش في وطن يوزع الثروة على الأقوياء والوعود الزائفة على الضعفاء.
إن أخذ بصمات الضحايا وعينات الحمض النووي (ADN) لضمان “حقوق العائلات في المستقبل”، كما تقول السلطات، هو إجراء تقني ضروري، لكنه “صفعة” معنوية كبرى؛ فالدولة التي لم تتعرف على مواطنيها وهم أحياء يطالبون بالشغل والكرامة، قد تتجند في المستقبل لتحديد هوياتهم وهم جثث هامدة. كان الأولى أن تستثمر هذه الجهود في “تحديد هويات” المهمشين قبل أن يبتلعهم البحر، وفي رسم مسارات للنجاة لا مسارات للدفع نحو الهاوية.
ما حدث في 30 و31 يوليو ليس مجرد “حادث تدافع” أو “محاولة هجرة غير نظامية”؛ بل هو “إفلاس أخلاقي” بامتياز. هو دليل على أن “الدولة الاجتماعية” التي تتبجح بها الشعارات الرسمية ما هي إلا صرح من ورق ينهار أمام أول قارب غارق أو أول سياج شائك.
اليوم، تنام القبور من 5426 إلى 5437 في صمت، لكن صرخات الضحايا ستظل تطارد ضمير هذه الحكومة. إن الوطن الذي لا يحتضن أبناءه أحياء، لا يحق له أن يتباكى عليهم أرقاما في سجلات الموتى.

