فاطمة الزهراء ايت ناصر
قبل أيام، كنت جالسة في حديقة البرلمان، أنتظر أن يحين موعد ذلك الأمل الذي ظللت أنتظره لأسابيع، قبل أن ينتهي اللقاء بخيبة أمل وسوء ظن.
جلست بحذائي المؤلم إلى جانب رجل كبير في السن، قد يكون في الثمانينات من عمره، رباطي الملامح، يرتدي قميصا سماويا ويحمل عكازا يستند إليه، من يعرفني حق المعرفة يعلم أنني أحب كبار السن وأحاديثهم، واختياري لذلك الكرسي لم يكن عبثا.. من هندامه وطريقة جلوسه، خُيّل إليّ أنه كان يوما رجلا ذا همة وشأن، وأن السنوات لم تستطع أن تنتزع منه تلك الهيبة التي لا تحتاج إلى بدلة رسمية.
تبادلنا الحديث، وكما يحدث غالبا مع كبار السن، يبدأ الكلام من شيء بسيط وينتهي بك إلى نصف تاريخ المدينة، قال لي وهو يشير إلى إحدى السيارات التي كانت تحمل صورة أحد المرشحين “هاد الناس فين كانوا هاد المدة كاملة؟”
ضحكت، لكنه لم يكن يمزح.. أضاف شيئا عن الانتخابات، وعن أولئك الذين يتذكرون الطرق التي تؤدي إلى الدواوير والمناطق النائية فقط عندما تقترب ساعة الاقتراع، قال إن بعض الوجوه تحتاج إلى الانتخابات كي تتذكر حتى أسماء الأماكن التي تمثلها.
تذكرت حينها أحد الوزراء الذي وُجّه إليه، في مناسبة سابقة، كلام عن غيابه عن مدينته، فجاء جوابه بأن السنوات الماضية لم تكن غيابا، بل كانت انشغالا بالتفكير في المشاريع التي يمكن جلبها إلى المدينة.
خمس سنوات من التفكير في المشاريع، في عالم المواطن، خمس سنوات ليست مدة قصيرة، بل هي خمس سنوات من التأخير، خمس سنوات من انتظار طريق لم يصلح، أو مستشفى لم يكتمل، أو فرصة عمل لم تصل.
قد يكون التفكير في المشاريع عملا سياسيا ضروريا، لكن المواطن، في نهاية المطاف، لا يستطيع أن يسكن داخل فكرة مشروع، ولا أن يتنقل فوق ورقته، ولا أن يطعم أبناءه بوعود تنموية مؤجلة.
سبق لديكارت أن قال : «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، لكن في السياسة، ربما يحتاج الأمر إلى جملة أخرى أنا أنجز، إذن المواطن يرى أنني كنت موجودا
وهنا فهمت أكثر ما كان يقصده الرجل العجوز، لم يكن يتحدث فقط عن أشخاص اختفوا من الشوارع، بل كان يتحدث عن علاقة كاملة بين السياسي والمكان، بين المنتخب ومن يفترض أنه يمثله، وبين السنوات الخمس التي تمر على المواطن ثقيلة، والأيام القليلة التي يكتشف فيها السياسي فجأة أن هناك دواوير وقرى وناسا يعيشون بعيدا عن مكاتب العاصمة.
ومنذ بدأت الحملة، بدا أن خريطة المغرب نفسها أعيد اكتشافها، الدواوير التي تحتاج في الأصل إلى طرق وماء ومدارس ومراكز صحية وفرص عمل، تحولت إلى خلفية مثالية للصور الانتخابية، والجلوس على الأرض صار دليلا على التواضع، وحتى وجبة سايكوك الشعبية وحده المواطن يعرف أنه ببساطة يوجد على المائدة عندما لا تكون هناك ميزانية لشيء آخر.
السياسي يصل، يصافح، يبتسم، يجلس على الأرض، يشرب الشاي، يتناول الطعام مع الناس، ويترك وراءه صورة تقول أكثر مما قد يقوله البرنامج الانتخابي نفسه، لا مشكلة في كل هذا بالعكس، السياسة في معناها البسيط هي أن تقترب من الناس وأن تسمعهم، المشكلة تبدأ عندما يصبح القرب موسما، والقرية محطة مؤقتة في برنامج الحملة، فالمواطن لا يحتاج إلى سياسي يعرف الطريق إلى بيته في شهر الانتخابات فقط، ثم ينساه بعد أن تغلق صناديق الاقتراع، وهنا يحضر مثل مغربي قديم “الوقت كيبين الرجال”، ومعناه عميق جدا في هذه الحالة…
هناك من الوزراء من كان يتحدث في مناسبات مختلفة عن آلام الظهر، أو الرجلين، أو صعوبة الحركة، فإذا بنا نراه اليوم وسط أحواش، يصفق ويرقص ويغني بكل حيوية، سبحان مبدل الأحوال، يبدو أن الحملة الانتخابية تتوفر على وصفة طبية خاصة، لا تحتاج إلى موعد ولا إلى تحاليل، وكل ما تحتاجه هو اقتراب موعد الاقتراع، لأن صندوق الاقتراع يخفي آلام المفاصل، يعيد للركبتان شبابهما.
لكن أكثر ما يلفت النظر هو أن الموسيقى نفسها أصبحت جزءا من المشهد السياسي، أحيدوس، أحواش، التصفيق، الأغاني، الزغاريد، والرقص… السياسة المغربية تعرف كيف تتحول، من خطاب انتخابي إلى عرس جماعي، والمغاربة شعب يحب الفرح، يحب الموسيقى، ويحب أن يلتقي حول الطعام، يبحث عن فرصة لتغيير المورال ونسيان غلاء المعيشة، وارتفاع الأسعار، ومصاريف الدخول المدرسي..
بالأمس، وقعت عيني على فيديو لمسؤولة من الدار البيضاء، كانت تجلس داخل سيارة فارهة، قبل أن تقترب منها مواطنة وتسألها عن سبب ارتفاع أسعار الخضر، وتحديدا البطاطس.
جاء الجواب محمّلا بأسباب كبرى من قبيل الحروب والجفاف والظروف الدولية، وكأن حبة البطاطس قطعت كل هذه المسافات الجيوسياسية قبل أن تستقر في قفة المواطنة.
قد تكون الحروب والجفاف والأسواق الدولية عوامل حقيقية تؤثر في الأسعار، لكن المواطن حين يقف أمام بائع الخضر لا يحمل معه خريطة العالم ولا تقريرا عن الاقتصاد الدولي؛ يحمل فقط نقودا محدودة، وقفة تنتظر أن تمتلئ.
ولعل مكيافيلي، لو عاش بيننا في موسم الانتخابات، لاحتاج إلى إضافة فصل جديد إلى «الأمير» عن الكائن الانتخابي المغربي؛ ذلك الذي يعرف متى يكون ثعلبا ومتى يتحول إلى حمامة سلام، ومتى يرتدي بدلة المسؤول ومتى يجلس على الأرض إلى جانب المواطن.
فالسياسة، في بعض لحظاتها، ليست فقط فن الممكن كما يقال، بل فن الظهور بالشكل المناسب في اللحظة المناسبة، وما أكثر الوجوه التي تتقن هذا الفن؛ وجه للبرلمان، ووجه للمنصة، ووجه للدوار، ووجه آخر لصورة تلتقط قبل أن تنتهي الحملة.

