الأمراض المهنية وحوادث الشغل بالمغرب: مآسٍ إنسانية معلقة بانتظار “مرسوم الزيادة” وصرخة استغاثة للحكومة

في حلقة جديدة من برنامج “صوت الشرق” على أثير إذاعة “كاب راديو”، فتح الصحافي عبد المجيد أمياي ملف الأمراض المهنية وحوادث الشغل في المغرب، مستضيفا رشيد سلطاني، رئيس الفدرالية الوطنية للأمراض المهنية وحوادث الشغل. الحوار كشف عن واقع مرير يعيشه آلاف العمال وأراملهم، خاصة في المناطق المنجمية، وسط تماطل حكومي في تنزيل مراسم قانونية من شأنها تخفيف وطأة الفقر والمرض عن هذه الفئات المستضعفة.

أوضح رشيد سلطاني أن الفدرالية لم تأت من فراغ، بل هي نتاج تكتل عدة جمعيات كانت تشتغل بشكل مشتت (مثل جمعية أبناء عمال السيليكوز بجرادة). الهدف كان توحيد الصوت ليكون للمتضررين مخاطب رسمي واحد يدافع عن حقوق عمال المناجم الذين أفنوا زهرة شبابهم في أعماق الأرض، ليخرجوا منها بأجساد عليلة.

تطرق سلطاني إلى طبيعة الأمراض التي تفتك بالعمال، وعلى رأسها “السيليكوز”، وهو مرض تنفسي ناتج عن استنشاق غبار الفحم في مناجم جرادة، حيث يواجه المصابون صعوبات حادة في التنفس تزداد سوءا في فصلي الصيف والشتاء.

ولم يقتصر الحديث عن جرادة، بل شمل منطقة “واد الحيمر” حيث ينتشر مرض “الساتيرنيزم” (التسمم بالرصاص) الذي يضرب الدم مباشرة، بالإضافة إلى أمراض ناتجة عن استخراج المانغانيز وصناعة الأسمنت، وهي أمراض وصفت بأنها “بمثابة سرطان” يرافق العامل مدى الحياة.

النقطة المركزية في الحوار كانت “الزيادة في الإيراد” (التعويضات). كشف سلطاني أن الفدرالية خاضت وقفات واحتجاجات عديدة في الرباط للمطالبة بإخراج مرسوم يتعلق بزيادة 20% في الإيرادات، وهو المطلب الذي يراوح مكانه منذ سنوات (فترة 2013-2018 وما بعدها).

ورغم الوعود التي تلقتها الفدرالية من مختلف الأطياف السياسية والحكومية (وزارة الصحة، وزارة المالية، والناطق الرسمي باسم الحكومة)، إلا أن شيئا لم يتحقق على أرض الواقع. وتتذرع الحكومة أحيانا بـ “الإكراهات المالية” للحفاظ على توازن صناديق التقاعد والتأمين (مثل صندوق CNRA)، وهو ما اعتبره سلطاني مبررا غير مقبول أمام حجم معاناة الأسر.

بحرقة كبيرة، تحدث رئيس الفدرالية عن وضعية الأرامل. ففي كثير من الحالات، يتوفى العامل المصاب بالسيليكوز قبل صدور المرسوم، لتجد الأرملة نفسها محرومة من الزيادة في التعويض، رغم أن زوجها كان يستحقها قيد حياته. كما أشار إلى “الحيف” الذي يطال الأرامل في إثبات علاقة الوفاة بالمرض المهني، بسبب تعقيدات الشواهد الطبية في المستشفيات الجامعية، مما يحرمهن من حقوقهن القانونية.

أشار الحوار إلى أن هناك أزيد من 89 ألف مستفيد من هذه الإيرادات على الصعيد الوطني، يعانون من ضعف القدرة الشرائية وتكاليف العلاج الباهظة. ففي الوقت الذي ينتظر فيه هؤلاء زيادة بسيطة، يجدون أنفسهم أمام تعويضات هزيلة لا تكفي حتى لتوفير “آلات الأوكسجين” أو الأدوية الضرورية، مما يعرض الكثير منهم للتشرد أو العجز عن سداد ديون الكراء.

وفي ختام الحوار، وجه رشيد سلطاني نداء مباشرا إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بضرورة التدخل العاجل لإنصاف هذه الفئة وإخراج المرسوم المنتظر، مؤكدا أن “هؤلاء الناس ضحوا بصحتهم من أجل إنارة المغرب وتوفير الطاقة، ولا يستحقون هذا التهميش”.

كما أعلن سلطاني عن تنظيم وقفة وطنية كبرى أمام البرلمان في الشهر المقبل، كخطوة احتجاجية ضد “تماطل” وزارة الصحة والحكومة في الاستجابة لمطالب الفدرالية المشروعة.