سلسلة إياد أغ غالي (2/5): ولادة زعيم في ليبيا

بقلم: ناتالي بريفوست

إن حياة إياد أغ غالي، الزعيم الذي لا ينازعه أحد لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، تقودنا إلى مختلف الاضطرابات التي عرفتها الصحراء منذ الاستقلالات. وبمعنى من المعاني، فهي ملحمة مالي، بل المنطقة بأسرها، وكذلك لعبة القوى العالمية الكبرى على مدى أكثر من ستين عاماً. لكن إياد أغ غالي هو أيضاً، وربما قبل كل شيء، طوارقي خرج من الصخور السوداء لأدرار إيفوغاس، وكرّس حياته للحفاظ على السيطرة على هذا الفضاء القاسي الذي تتردد فيه أصوات الأسلحة. ويأخذنا هذا الجزء الثاني إلى ليبيا، حيث فتح العقيد معمر القذافي أمام الطوارق الماليين والنيجريين باب التدريب العسكري والسياسي. وفي هذه المرحلة، الموثقة جيداً، فرض أغ غالي نفسه قائداً.

سيراً على الأقدام حتى البحر المتوسط

إلى الجزائر كانت المحطة الأولى الطبيعية لهؤلاء الشبان الطوارق الماليين الباحثين عن حياة جديدة ومكان جديد لهم في العالم. لكنهم لم يجدوا ترحيباً كبيراً. فقد كان يُنظر إليهم باعتبارهم مجندين محتملين لجبهة البوليساريو، وظلوا حذرين، محتفظين بذكرى حية لعام 1963، حين تعاون النظام الجزائري آنذاك بشكل نشط مع نظام موديبو كيتا.

في المقابل، بدت ليبيا وكأنها أرض الخلاص والوعد، حتى قبل أن يطلق العقيد القذافي، صاحب الطبع الغريب، نداءه الكبير إلى طوارق النيجر ومالي سنة 1980 في أوباري. وقد أعلن حينها أن حدود بلاده «مفتوحة أمام الطوارق، أبناء الأمة العربية الأحرار، الذين يعانون من القمع ومخيمات الإبادة في مالي والنيجر»، ما أثار غضب جميع جيرانه.

ملاحظة المحرر: رغم عاطفته الكبيرة تجاه الرحل الطوارق، لم يتصور القذافي قط هوية ليبية لا تكون عربية.

وهذا ما يرويه إياد أغ غالي عن نزوح الشبان، في مقابلة أجراها معه بيير بوايي في 10 فبراير 1994.

«بدأ الناس يغادرون سيراً على الأقدام إلى ليبيا. كانوا يسبحون عكس التيار. وكانت كل حدود تطرح مشاكل. فعلى سبيل المثال، لم يرغب الجزائريون في البداية في أن يتجاوز الناس البلدات الأولى على الحدود (…) لكنهم عبروا ووصلوا إلى تمنراست. وهناك قيل لهم إن تلك هي الحدود النهائية، وإن عليهم ألا يغادروا المدينة. لكنهم واصلوا طريقهم حتى جانت. وفي جانت، أنشأ الجزائريون حتى وحدات من الجمالة لمكافحة النزوح. لكنهم واصلوا سيراً على الأقدام حتى غات في ليبيا.

عندها قال الليبيون إن هذه المدينة هي آخر حدود مسموح بها، وبدأوا بالفعل في إعادتهم إلى الجزائر. لكن الجزائريين رفضوا استقبالهم، لأنهم لم يكونوا من مواطنيهم. وهكذا واصلوا السير على الأقدام حتى بلغوا البحر المتوسط.

استمر الأمر على هذا النحو من 1972 إلى 1978، وكان الناس يصلون إلى البحر المتوسط فرادى أو في مجموعات صغيرة من خمسة أو عشرة أشخاص، وكانوا في سن صغيرة جداً، بين 12 و18 عاماً. وكانوا مئات ومئات، بل آلافاً».

وقبل نهاية سبعينيات القرن الماضي، كان من بيننا بالفعل سائقون وميكانيكيون ودهانون للبنايات وبناؤون. أما أنا، على سبيل المثال، فقد عملت ميكانيكياً وخياطاً ودهاناً وحتى بنّاءً، بعد أن بدأت العمل بستانياً في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة.

متمردون نيجريون

بحسب أحد رفاق إياد في السلاح، الذي عاش هو الآخر في معسكرات التدريب الليبية، بدأت الأنشطة السياسية بين المنفيين من تمرد 1963، والشبان الوافدين حديثاً، ونظام العقيد القذافي بشكل خجول في عامي 1976 و1977، ثم اتخذت شكلاً حقيقياً بين عامي 1979 و1981.

وصل إياد أغ غالي إلى ليبيا سيراً على الأقدام عام 1975، مروراً بالتاسيلي، وعمل خياطاً لكسب قوت يومه، بينما كان يجند داخل أولى الخلايا السرية للحركة الثورية، التي كان الانضمام إليها يتم بعد أداء القسم على القرآن.

ويقول في حديثه إلى بيير بوايي إنه شارك في أحد الاجتماعات التآمرية الأولى سنة 1979 في سرت. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأ العمل لحساب سفير مالي في القاهرة، الذي كان يشرف على الملف الليبي. وسرعان ما ترك له هذا الأخير حرية التحرك، فأصبح إياد على اتصال مباشر بالسلطات الليبية، وشرع في «توعيتها» بالدينامية التي كانت تتشكل.

وقال: «وهكذا، ومن خلال مالي، بدأت أتعرف بشكل أفضل على السلطات الليبية وأدخل في اتصال معها!».

أما السلطات الليبية، التي كانت على الأرجح منفتحة على فرصة التجنيد غير المتوقعة، فقد قدمت دعماً للحركة: حصة من العمال في مشاريع زراعية، ومركزاً للاجتماعات.

وفي 8 سبتمبر 1980، انعقد أول مؤتمر للطوارق في الحُمس. وأسفر اجتماع 80 مشاركاً عن إنشاء تنظيم كان في البداية خاضعاً لسيطرة ليبيا بشكل وثيق. ويؤكد ذلك تعيين المعارض النيجري ليمان شافي، المدعوم من نظام طرابلس، أميناً عاماً، إضافة إلى الاسم ذي الطابع القومي العربي للتنظيم: الجبهة الشعبية لتحرير الصحراء العربية الوسطى.

وقال إياد: «بدأنا نفهم أن العقيد القذافي كان يفكر في القيام بشيء ما. وفي عام 1981، حصل النيجريون على ثكنة تحت تصرفهم».

كان العقيد القذافي يكن عداءً شديداً للجنرال سييني كونتشي، الذي كان يحكم النيجر، وكان يحاول الإطاحة به منذ عام 1976. ولهذا الغرض، كان يستقبل ويمول ويدعم عدداً من المعارضين النيجريين المنتمين إلى خارج العالم الطوارقي، ومن بينهم النائب محمد موسى من تشينتابارادن، وعبد الله ديو ري، وليمان شافي، وهو موريتاني من أم طوارقية كان قريباً جداً من هاماني ديوري، رئيس النيجر عند الاستقلال، الذي أطاح به سييني كونتشي سنة 1974.

ولادة حركة

ابتهج إياد أغ غالي وأصدقاؤه: فقد أصبح لديهم هيكل تنظيمي، ومقر، وأمانة، وهاتف! وأحدث الحدث ضجة كبيرة، وخلق حالة من الحماس في المنطقة كلها. وتوافد الشبان والكبار من مالي والنيجر والجزائر وليبيا وموريتانيا، ومن بينهم قدامى محاربي 1963، مثل أمّرا أغ فكري وإسوف أغ إيشيخ، إضافة إلى «إشومار».

كان محمد يبلغ من العمر 17 عاماً، وكان تلميذاً في السنة الثانية ثانوي شمال النيجر عندما سمع نداء القذافي في 15 أكتوبر 1980. ومن دون أن يخبر أسرته، باع سترته الصوفية ليشتري تذكرة حافلة، ثم التف حول الحدود النيجيرية وواصل طريقه سيراً على الأقدام، حاملاً بطاقة تلميذه كوثيقة هوية.

قادته رحلته إلى مايدوغوري، ثم إلى تشاد، وبعدها إلى نجامينا، حيث كانت الحرب مشتعلة عند وصوله في أبريل 1981 بين حسين حبري وغوكوني ودي ودي.

وفي النهاية، تمكن من لقاء قائد فزان، العقيد مسعود، وقدم له مطالبه. وفي اليوم التالي، 20 مايو 1981، استقل طائرة عسكرية إلى سبها، ثم إلى طرابلس، حيث التحق بمعسكر بني وليد.

ويقول:

«جاؤوا ليأخذوني إلى مكتب التمرد. كان ليمان شافي هناك. أما أنا، فكان ما يهمني هو الدولة الطوارقية. كان هناك رجل يملك المال يريد مساعدتنا على استعادة أرضنا! كنت مستعداً! كنت في غاية الحماس. وقدمت كل ما أستطيع: التدريب، والاستعراضات، والتكوين العسكري، حتى غادرت بني وليد في بداية عام 1982».

وهناك لمح محمد إياد أغ غالي، الذي كان يكبره ببضع سنوات:

«كان قادة الإيفوغاس هم إبراهيم ماهاز وإنتاخمودا. وبما أن الإيفوغاس محاربون بالفطرة، وشجعان جداً، فقد كانوا يلفتون الانتباه. كنت معجباً بشجاعتهم وتفانيهم وصراحتهم. لم أكن أعرفهم. كان جدي الأكبر قد اغتيل على يد الإيفوغاس سنة 1900، لكنني كنت منبهراً بهم. وكان إياد واحداً منهم».

أما رفيق إياد المالي في السلاح، الذي سبقت الإشارة إليه، فيقول:

«كان أحد القادة الذين كانوا في طور الصعود. في معسكر بني وليد، كان واحداً من الشبان الذين يمتلكون أساساً من المعرفة. فقد أكمل تعليمه الابتدائي حتى نهايته. وسرعان ما لفت الأنظار؛ كان محبوباً، وكان شخصية محورية، هادئة وغير مؤذية. كان يتقن الفرنسية والعربية جيداً. لم يكن يتحدث كثيراً، إلا في النقاشات السياسية. كان هناك الكثير من المناضلين في عائلته، وقد استفاد من تجربة المحاربين القدامى، خصوصاً من الإيدنان والإيفوغاس. كان يقرأ ويكتب كثيراً. وهذه ميزة».

مغامرات في الشرق الأوسط

بينما كانت الحركة الطوارقية تتشكل عسكرياً وثقافياً، بفضل الغيتار والشعر وحالة الحداثة الجذرية التي كانت تكتسح قيود التقاليد، وسياسياً أيضاً، بما في ذلك من خلال دفع الاشتراكات لتكوين خزينة للحرب، كان القذافي يخطط لأمور أخرى.

وسواء بدافع الانتهازية أو الضرورة، وتحت ضغط شديد من الجزائر التي طالبت بتفكيك المعسكرات، أغلق القذافي معسكر بني وليد في بداية عام 1982، وذلك بعد أن اقتطع عدة مئات من الرجال، أي أكثر من ربع العدد الإجمالي البالغ 3200 رجل، للقتال إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

كان إياد، الذي لم يكن قد تجاوز رتبة جندي، ضمن أول 50 رجلاً أُرسلوا إلى جنوب لبنان بعد ثلاثة أسابيع من التدريب المكثف على الأسلحة المضادة للطائرات من عيار 14.

وتواصل إرسال الرجال على مراحل، حتى بلغ العدد 565 مجنداً في معسكرات التدريب السورية، و224 في جنوب لبنان. وقد أمضت غالبية القوات عاماً هناك، قبل أن يتم استبدالها في سبتمبر 1982.

وباستثناء عدد قليل من المتطوعين الذين سجلوا أسماءهم في قائمة خلال أبريل 1981، فإن غالبية المقاتلين، بمن فيهم إياد، لم يكونوا يعرفون إلى أين يتوجهون.

ويروي أحد رفاق إياد:

«كنا نعتقد أننا ذاهبون إلى تدريب على الأسلحة الثقيلة في طبرق، فإذا بنا نجد أنفسنا في سوريا. شعر بعضنا بأنه تعرض للخيانة، إلى حد ما، لكنني، مثل كثيرين آخرين، كنت متحمساً: كانت فرصة جيدة لتعلم الحرب والتحرر من نظامي موسى تراوري وسييني كونتشي الديكتاتوريين».

وفور وصولهم، التقت هيئة أركان المجموعة الطوارقية، التي كانت تضم نحو عشرة رجال، بأحمد جبريل، الرجل الثاني في قيادة ياسر عرفات. وبعد الاستماع إليهم، وعدتهم منظمة التحرير الفلسطينية بمساعدتهم من خلال تدريب عسكري يستمر عدة أشهر في سوريا، بموافقة حافظ الأسد.

وهكذا تم تشكيل سريتين في معسكرين، أحدهما جنوب دمشق بالقرب من الحدود اللبنانية، والآخر شرق سوريا بالقرب من الحدود العراقية، قبل إرسالهما إلى الجبهة.

ويقول رفيق إياد:

«كنا نقاتل مع مجموعة أحمد جبريل. كنا مكلفين بالمدفعية والدفاع الجوي. كانت حرباً قاسية جداً، وسريعة جداً، وشديدة جداً. لم يكن الفلسطينيون يملكون سوى بنادق 14.5، وكانوا يطلقون النار ليلاً ونهاراً لإخافة الطائرات. كان إياد يقود مجموعة للدفاع الجوي. كان قائداً».

سنة ونصف في جنوب لبنان إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية

واصل إياد روايته، ولكن بتفاصيل أقل، أمام بيير بوايي:

«أمضينا سنة ونصف في جنوب لبنان، على الحدود الإسرائيلية، حتى غزو 1982».

ملاحظة المحرر: بدأت عملية «السلام للجليل» في 6 يونيو 1982 على يد إسرائيل، وكانت تهدف إلى طرد منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان. وتسببت في حصار بيروت، ورحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن العاصمة في غشت، ومجازر صبرا وشاتيلا في سبتمبر.

ويتابع إياد:

«كنا في بيروت، وشاركنا في كل شيء، في الحصار مع ياسر عرفات. وبعد ذلك غادرنا، مروراً بسوريا، وعدنا إلى ليبيا في نوفمبر 1982».

لكن بعضهم، وقد غضبوا من استخدامهم كوقود للمدافع، تفاوضوا مباشرة مع السفارة الجزائرية في دمشق، مؤكدين أنهم جُنّدوا قسراً من قبل القذافي.

وقادهم أحد كوادر الحركة، مجدي أغ بوهدا، حيث وقع 274 رجلاً على طلب إعادتهم إلى الجزائر، التي قامت بدورها بتسجيلهم وإخضاعهم للإقامة الجبرية في عين صالح.

وقال مجدي بوهدا:

«لقد خاننا القذافي، ولذلك كان علينا أن نتحالف حتى مع الشيطان للخروج من هذه الحرب».

أما إياد فكان ضد هذا الخيار. وكان يفضل أن نبقى مع ليبيا حتى النهاية. كان ذلك اختلافاً تكتيكياً وليس منافسة. لم تكن لدينا أي أيديولوجيا في تلك المرحلة، باستثناء أزواد، وهذا كل شيء.

أما عودة الآخرين، ومن بينهم 26 أسيراً من الجيش الإسرائيلي جرى تبادلهم في نهاية عام 1982 مقابل أسرى إسرائيليين، فكانت موضوع مفاوضات معقدة مع منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا والقذافي نفسه.

وقد خرج من هذه المغامرة عدد من القادة العسكريين للطوارق الموجودين اليوم. ويقال إن العقيد محمد نجيم فقد إحدى أطرافه فيها. أما أربعة رجال فلم يعودوا.

«الاعتماد على النفس»

عند وصولهم إلى طرابلس، لم يكن هناك شيء في انتظارهم. ظل النيجريون يحظون بدعم ليبيا، لكن الماليين تُركوا لمصيرهم، فيما واصلت الجزائر معارضة تدريبهم العسكري.

فاختاروا الحياة المدنية، وانضموا في ديسمبر 1982 إلى موقعين للتنمية الزراعية والرعوية في زليتن، وبدأوا في الوقت نفسه في تنظيم أنفسهم سراً.

يقول أحدهم:

«منذ تلك اللحظة بدأنا نصبح قادتنا بأنفسنا».

ويضيف:

«لقد فهمنا أنه، في نظر الليبيين، لا يمكن أن نوجد بصفتنا طوارق. كان علينا أن نصبح عرباً ومسلمين».

ويستخدم إياد تقريباً الكلمات نفسها:

«أنتم ترون، لقد ذُبح الفلسطينيون هنا أمام أعيننا، ولم تتحرك هذه الأمة العربية كلها من أجلهم. لا أحد سيتحرك من أجلنا. (…) لا يمكننا الاعتماد إلا على أنفسنا. يجب أن نعود إلى وطننا، وكل ما سنحتاج إليه يجب أن ننشئه بأنفسنا».

وفي يونيو 1983، اعتقل الأمن الجزائري إياد، بعدما كان قد أُرسل من قبل الحركة، في مارس من العام نفسه، في مهمة استطلاع إلى كيدال وتيساليت وأغيلهوك، رفقة ثلاثة من زملائه.

وخلال استجوابه من قبل السلطات، رفض العمل لحسابها مقابل المال، مدعياً أنه مجرد ميكانيكي. وسيقضي نحو أربع سنوات في الإقامة الجبرية في تمنراست ثم عين صالح.

وهناك التقى زوجته الأولى، وهي من الطوارق، وأنجبت له طفليه الوحيدين: ابنته تانونووت، المتزوجة منذ عشرين عاماً من خالد أغ محمد، ابن أمينال محمد أغ إنتالا، وابنه حمزة، الذي يقاتل إلى جانب والده.

وفي الجزائر، كان الطوارق الماليون تحت المراقبة. لكن الاعتقالات والاختراقات الأمنية والسجن لم تثن أنصار مشروع استعادة أزواد، الذي شرع في الإعداد له المقاتلون الذين مروا عبر المعسكرات الليبية.

كما تلقى هؤلاء تعزيزات غير متوقعة من مجندين جدد في عامي 1983 و1984، بفعل موجة جديدة من الجفاف المميت.

الأمين العام للحركة

بلغت هذه المرحلة ذروتها في 11 نوفمبر 1987، خلال مؤتمر طرابلس، الذي شارك فيه 500 مندوب، كان معظمهم من قادة التمرد المستقبلي.

وتم تأكيد المشروع العسكري، وجرى تنظيمه، رغم استمرار العمل في السرية: انتُخب مجلس ثوري من 35 عضواً، ومن داخله لجنة تنفيذية من سبعة أشخاص.

وكان إياد أغ غالي، الذي نجح رفاقه قبل بضعة أشهر في إخراجه سراً من الجزائر هرباً من الأمن العسكري، قد انتُخب أميناً عاماً.

وجرى التصويت بالاقتراع العام السري. وكان كل شخص يكتب اسم مرشحه. وفي صندوق الاقتراع، أثار أحد المناضلين، الذي لم يتم التعرف عليه قط، الضحك عندما وضع ورقة كتب عليها: «أصوت لنفسي».

كما تم اعتماد ميثاق يدعو إلى إلغاء الممارسات العنصرية والقبلية.

وفي هذه الأثناء، وفي غياب إياد الذي كان عالقاً في الجزائر، افتُتح معسكر جديد في الأول من يونيو 1984 واستمر حتى فبراير 1985، ثم جاء دور معسكر «2 مارس» سنة 1986.

ودخل المجندون الماليون الجدد هذه المعسكرات تحت تسمية «الحركة النيجرية رقم 2»، وهي العبارة التي كانت مدرجة في وثائقهم الرسمية.

وظل النيجريون وحدهم معترفاً بهم رسمياً، في ظل استمرار العلاقات السيئة بين العقيد القذافي وسييني كونتشي.

وقرر «القائد» دمج هؤلاء الرجال في الفيلق الإسلامي الليبي، لخدمة أهداف السيطرة الداخلية على البلاد والتوسع ذي الطابع القومي العربي.

مغامرات تشادية تحت قيادة حفتر

هذه المرة، كانت عملية في تشاد تلوح في الأفق.

أراد العقيد القذافي مساعدة حليفه غوكوني ودي ودي، الذي كان يخوض حرباً جنوب خط العرض السادس عشر ضد حسين حبري، المدعوم من فرنسا والولايات المتحدة.

لكن المغامرة انتهت سريعاً.

وكان إياد، الذي لا يزال في الجزائر، خارج هذه العملية.

ويروي أحد أصدقائه:

«كان ذلك في نهاية يناير 1987. غادروا وكان عددهم 200، من الماليين والنيجريين. وتم توزيعهم في منطقة أوزو. ولم يشاركوا سوى في معركة واحدة، قتل فيها 23 رجلاً وأُسر ثمانية.

كان خليفة حفتر آنذاك قائداً في الجيش الليبي، وكان المقاتلون الطوارق تحت إمرته. وكان يحرس قاعدة للقوات الجوية في وادي دوم، ثم استسلم للتشاديين. لقد خانهم. كان يريد الإفلات من القذافي لأنه كان يخضع لتحقيق جارٍ ضده.

أما الجنود الطوارق، فلم يكونوا يعلمون أنه استسلم، ولذلك قاوموا التشاديين لبعض الوقت، الذين باغتوهم ثم أغرقوهم بتفوقهم العددي.

وكانت تلك أكبر خسارة تكبدها الطوارق خارج أراضيهم. وقد وقع جزء كبير منهم في الأسر ونُقلوا مع حفتر إلى نجامينا. وأُعدم بعضهم لاحقاً.

وبعد هذه الخيانة، تعرض الانتشار الليبي في قطاع أوزو للهزيمة المعروفة».

ملاحظة المحرر: فقدت ليبيا عُشر جيشها وعدداً كبيراً من المدرعات والطائرات في ما عُرف بـ«حرب التويوتا»، خصوصاً بعدما تدخل سلاح الجو الفرنسي دعماً للجيش التشادي بقيادة حسين حبري.

وفي العام التالي، تفاوضت الولايات المتحدة مع حسين حبري لإخراج خليفة حفتر، الذي سيضع نفسه منذ ذلك الحين في خدمة واشنطن ضد «القائد» الليبي معمر القذافي.

وفي المحصلة، مر أكثر من 20 ألف طوارقي نيجري ومالي عبر المعسكرات الليبية بين عامي 1981 و1989.

ومنذ عام 1984، وفي ظل الظل والسرية اللذين أتاحتهما ليبيا، التي تحولت إلى قاعدة خلفية حقيقية للعملية، كانت الثورة تستعد بصبر: اشتراكات، ومخابئ للأسلحة، وخلايا سرية.

وستكون هذه الثورة خاطفة وناجحة، رغم الوسائل المحدودة التي جعلتها عمليات الاختراق الجزائرية والمالية للحركة أكثر هشاشة.

ترجمة إلى العربية عن “موند افريك

سلسلة إياد أغ غالي (1/5): طفولة في ظلّ الكوارث