من قشور الدلاح إلى الشارع.. كيف تصنع نفاياتنا “العصارة السوداء”؟

عصارة النفايات في الصيف


تحت لهيب شمس “يوليوز وغشت” وغليان الإسفلت، لا تكتفي شوارع مدننا باستقبال زوار الصيف وعشاق السهر، بل تستقبل أيضا “ضيفا ثقيلا” ينسل بهدوء من تحت حاويات الأزبال وخلف شاحنات النفايات. 

هي سوائل داكنة اللون، نفاذة الرائحة، تترك وراءها أثرا لا يمحوه سوى المطر البعيد. 

هذه “السوائل السوداء” بـ”عصارة النفايات”، التي تتحول في فصل الصيف، وبفعل “كوكتيل” الفواكه الموسمية والحرارة المرتفعة، إلى تحد بيئي وصحي يضع الجميع أمام مسؤولياته.

ما هي “العصارة” وكيف يطبخها الصيف؟

عصارة النفايات هي ذلك السائل الحيوي والكيميائي المعقد الذي ينتج عن تحلل المواد العضوية، مضافا إليه الرطوبة الكامنة في النفايات. في فصل الصيف، يتحول المطبخ المنزلي إلى “مفاعل” لإنتاج هذه العصارة؛ فمائدة الصيف لا تكتمل دون البطيخ الأحمر (الدلاح)، والشمام، والعنب، وهي فواكه تتجاوز نسبة المياه في تركيبتها 90%.

عندما تلقى قشور هذه الفواكه وبقايا الخضر في أكياس النفايات، ومع ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز أحيانا 40 درجة مئوية، تتسارع وتيرة التحلل البكتيري بشكل مذهل. الحرارة تعمل كـ”محفز” يسرع تخمر المادة العضوية، مما يؤدي إلى انفجار الخلايا النباتية وخروج سوائلها المحملة بالمواد العضوية الذائبة والمعادن الثقيلة والبكتيريا، لتتشكل تلك العصارة التي تبدأ رحلتها من كيس القمامة المنزلي، وصولا إلى الشارع.

المخاطر: أكثر من مجرد رائحة كريهة

لا تكمن خطورة هذه العصارة في روائحها التي تزكم الأنوف وتطرد السياح من الفضاءات العامة فحسب، بل في تركيبتها الكيميائية والبيولوجية. فهي سائل شديد الحموضة وعالي التلوث (BOD وCOD مرتفعان جدا)، مما يعني أنها تستهلك الأكسجين بشكل شره إذا وصلت إلى الأوساط المائية.

مسؤولية مشتركة: من المطبخ إلى المصب

إن معالجة أزمة “عصارة الصيف” لا تقع على عاتق طرف دون آخر، بل هي سلسلة من المسؤوليات المترابطة.

تبدأ المشكلة من طريقة التخلص من النفايات. وضع بقايا البطيخ والخضر الرطبة مباشرة في الكيس دون تصفيتها من السوائل يساهم في تفاقم الظاهرة. 

كما تتحمل أسواق الخضر ومحلات “الفواكه” مسؤولية كبرى في تجميع كميات هائلة من المخلفات العضوية في نقط واحدة دون تدبير خاص.

تحديات التدبير في المدن “المكتظة”

تواجه المدن، خاصة السياحية منها، ضغطا مزدوجا في الصيف: ارتفاع معدل إنتاج النفايات للفرد الواحد نتيجة كثرة الاستهلاك، وصعوبة تحرك شاحنات النظافة وسط الازدحام المروري، مما يطيل مدة بقاء النفايات في الحاويات تحت الشمس، ويزيد من كمية العصارة المنتجة.

وفقاً لتقارير بيئية دولية (مثل تقارير البنك الدولي حول النفايات)، فإن النفايات العضوية تشكل أكثر من 50% إلى 60% من إجمالي النفايات المنزلية في الدول النامية والناشئة، وهذه النسبة ترتفع في الصيف، مما يجعل “التدبير السائل” أصعب من “التدبير الصلب”.

نحو حلول ذكية واستباقية

للخروج من “مأزق العصارة”، يحتاج التدبير الحضري إلى حزمة من الإجراءات، وفي طليعتها الفرز من المصدر، إذ يعتبر الحل الجذري. عزل النفايات العضوية عن الجافة يقلل من حجم النفايات التي تنتج سوائل، ويسمح بتحويل “المشكلة” إلى “فرصة” عبر إنتاج السماد العضوي (Compost).

كما يمكن للحملات على بساطتها أن تشجع المواطن على “تنشيف” النفايات العضوية أو وضعها في أكياس محكمة الإغلاق يمكن أن تقلل كمية التسربات بنسب كبيرة.