أضحى السجال المصاحب لمبادرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، إثر حرب الإبادة الجماعية التي يعيشها، منتجا للعديد من المقولات على غرار “حماس يجب أن ترحل..”، حيث طلع علينا أصحابنا بطرح جديد مفاده أن كل ما يقع اليوم هو نتيجة خروج عن شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، معزين كل ما يقع اليوم في الساحة الفلسطينية من حرب إبادة، إلى كون حماس ومعها باقي فصائل المقاومة تشتغل خارج شرعية المنظمة، وبالتالي وجب عليها تحمل وزر أفعالها.
وتفاعلا مع هذا الطرح، ورغم أن الموضوع صعب الإحاطة به مجملا، إلا أننا سنحاول التطرق لبعض العناصر التي نراها مهمة في محاولة الإجابة عليه.
أولا: واقع منظمة التحرير الفلسطينية
ارتبط سؤال واقع منظمة التحرير الفلسطينية في المرحلة، بسياق الأحداث التي عرفتها الساحة الفلسطينية منذ 7 أكتوبر 2023 (معركة طوفان الاقصى)؛ سؤال مرتبط في جوهره بدور منظمة التحرير الفلسطينية خلال حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر. في قطاع غزة وجرائم الاحتلال في الضفة.
سؤال، نجد إجابته في فعالية هياكل المنظمة، حيث نجد بأن المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان المنظمة) لم ينعقد طيلة الأحداث، أما المجلس المركزي فانعقد مرة واحدة بصفة تشاورية، وأما اللجنة التنفيذية فقد عقدت مجموعة من اللقاءات واكتفت بإصدار بيانات تعبر عن مواقف روتينية.
ومن هذا المنطلق، نجد بأن عمل المنظمة شبه مجمد قبل وبعد معركة طوفان الأقصى، كما أن جزءا مهما من الشعب الفلسطيني ترك ليواجه مصيره لوحده.
غيبت منظمة التحرير الفلسطينية، وتم تحييدها، وإفراغها من كل أدوارها التحررية، لتبقى السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس هي المتحكمة بزمام أمورها، وهي المعروفة بمواقفها الانبطاحية والخيانية.
وبناء عليه، تعالت العديد من الأصوات من مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، منادية بضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لتكون في مستوى ما يعيشه الشعب الفلسطيني، وما تعرفه القضية الفلسطينية من تحديات.
ثانيا : مبادرات التمسك بالمنظمة
لطالما طرح السؤال حول المبادرات التي تطلق خارج منظمة التحرير، والخط المتنفذ داخلها (الجناح المتخاذل لفتح)، حول مدى شرعية هاته المبادرات؟ وهل تصب في سبيل تجاوز منظمة التحرير ؟ وانتاج بديل لها.
وباستقراء مختلف وجهات النظر، ومنها من يدعوا إلى تشكيل جبهة فلسطينية وطنية موحدة، ترمي إلى “تحرير منظمة التحرير”، فإننا نجد بأن كلها مجمع على عدم إنتاج بديل لمنظمة التحرير، والتمسك بها.
وبالعودة إلى أهم المبادرات السياسية التي انتجت بعد معركة السابع من أكتوبر 2023، بالموازاة مع مبادرات وحدة الساحة والسلاح بين مكونات المقاومة الفلسطينية (منها من هو ضمن منظمة التحرير)، سنجد أبرزها متمثل في المؤتمر الوطني الفلسطيني، التي أطلقها مجموعة من الشخصيات الفلسطينية البارزة والنشطاء الفاعلين، المنعقد بالدوحة أيام 17-19 فبراير 2025 تحت شعار ” نحو قيادة فلسطينية موحدة، وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، ومواجهة مخططات الإبادة والتطهير العرقي والضم والتهويد”؛ بمشاركة حوالي 400 شخصية فلسطينية من مختلف الحساسات والتوجهات.
هذا المؤتمر، الذي تعرض لحملات تحريضية ضده من قيادة فتح، متهمين إياه بالتنكر لتضحيات منظمة التحرير وتارخيها، ومحاولة إيجاد بديل لها، كما قامت السلطة الفلسطينية بالتضييق على جزء من المشاركين/ت فيه وصلت حد المنع من السفر والتهديد.
وقد أكد مجموع المشاركين/ت في المؤتمر وكذا بيانه الختامي زيف هاته الاتهامات والتمسك بإعادة بناء منظمة التحرير، ووحدة الشعب الفلسطيني، ومن هنا نستحضر تصريح لمصطفى البرغوتي عضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر لموقع العربي.نت يؤكد فيه ” لا يوجد خيار أمام الشعب الفلسطيني إلا خيار الوحدة وتقوية منظمة التحرير وتعزيز دورها الوطني التحرري، ومن هنا كان هذا المؤتمر الذي يمثل الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه وفصائله وتوجهاته”.
ختاما، تبقى أطروحة لا اشتغال ولا شرعية إلا من داخل منظمة التحرير، أطروحة تبريرية لعجز أصحابها، وشماعة لتعليق خذلانهم لقضية لطالما اعتبرت وطنية، أطروحة مهزوزة ومدحوضة بواقع المشهد الفلسطيني، وبشهادة مختلف أطيافه.
إن الاختباء وراء شرعية منظمة التحرير، المحظورة العمل إلى حين، لا تعدوا سوى تخندقا في صف السلطة الفلسطينية و توجهها التفريطي المتخاذل.

